في القراءة الأولى لمشروع موازنة لبنان لعام 2027، يبدو المشهد مطمئنًا على نحو نادر في بلد اعتاد خلال سنوات الانهيار أن يتعايش مع العجز والتمويل بالاستدانة:614.945 تريليون ليرة من النفقات في مقابل الرقم نفسه من الإيرادات، أي عجز صفري، ومن دون قروض داخلية أو خارجية في جانب تمويل الموازنة. ووفق سعر الصرف الرسمي البالغ 89,500 ليرة للدولار، يعادل حجم الموازنة نحو 6.87 مليارات دولار.
لكن هذه الصورة الحسابية تحتاج إلى قراءة أبطأ. فالتوازن بين الإيرادات والنفقات لا يعني، في ذاته، أن المالية العامة أصبحت سليمة، كما أن غياب العجز لا يعني أن الاقتصاد خرج من دائرة الخطر. ما يقوله المشروع فعليًا هو أن الدولة اختارت أن توازن دفاترها من خلال زيادة الاعتماد على الإيرادات الضريبية، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد اللبناني يواجه تباطؤًا حادًا وارتفاعًا في التضخم وصدمة أمنية واقتصادية متواصلة.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: هل الموازنة متوازنة؟ بل: ما نوع الاقتصاد الذي يتطلبه هذا التوازن حتى يتحقق؟ وهل يستطيع لبنان إنتاج هذا المستوى من الإيرادات من دون دفع ثمنه في النمو والاستهلاك والاستثمار؟
الرقم الذي يخدع العين
تبلغ الإيرادات الضريبية المقدرة في المشروع 528.223 تريليون ليرة، في مقابل 86.722 تريليونًا من الإيرادات غير الضريبية. وهذا يعني أن نحو 86 في المئة من إيرادات الخزينة المتوقعة تأتي من الضرائب.
هذه النسبة هي ربما أهم ما يجب التوقف عنده في المشروع كله.
فالدولة لا تموّل موازنتها بالاقتراض، وهذه نقطة إيجابيّة من زاوية الاستدامة النقدية المباشرة، لكنها في المقابل تعتمد بدرجة أكبر على التحصيل الضريبي والرسوم. غير أن بنية الإيرادات نفسها تكشف أن العبء لا يقع بالتساوي على مختلف مكونات الاقتصاد.
فالرسوم الداخلية على السلع والخدمات والرسوم على التجارة والمبادلات الدولية تبلغ مجتمعة نحو 388.37 تريليون ليرة، أي قرابة 73.5 في المئة من مجموع الإيرادات الضريبية. وتبلغ ضريبة القيمة المضافة وحدها نحو 205.7 تريليون ليرة، أي قرابة 38.9 في المئة من الإيرادات الضريبية.
هذه ليست مجرد أرقام محاسبيّة. إنها تكشف أن الدولة ما زالت تعتمد بصورة أساسيّة على الاقتصاد الاستهلاكي وحركة التجارة والاستيراد كقناة لتحصيل الإيرادات. وفي اقتصاد لم تستعد فيه الأسر كامل قوتها الشرائيّة بعد، يصبح ارتفاع التحصيل الضريبي من الاستهلاك سلاحًا ذا حدين: فهو يزيد إيرادات الدولة اليوم، لكنه قد يضغط على الطلب غدًا.
وهنا تحديدًا ينبغي مقاومة القراءة السهلة التي تعتبر كل زيادة ضريبية إصلاحًا ماليًا.
الإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بكم تجمع الدولة، بل بمن تجمع منه وكيف تستخدمه.
لماذا ترتفع الإيرادات؟
تبلغ الإيرادات الضريبية المتوقعة في 2027 نحو 528.2 تريليون ليرة، مقابل 439.6 تريليونًا في موازنة 2026، أي زيادة تفوق 20 في المئة. وفي الوقت نفسه، ترتفع الموازنة الإجمالية 14.21 في المئة.
هذه الزيادة تحتاج إلى تفسير اقتصادي أكثر وضوحًا مما توفره الأرقام وحدها.
فجزء منها يمكن أن يأتي من تحسين الجباية والامتثال، وهو تطور إيجابي ومطلوب. وقد لاحظ البنك الدولي أن تحسن الالتزام الضريبي وتحصيل الجمارك وضريبة القيمة المضافة ساعدا في تسجيل فائض مالي للدولة في 2025.
لكن هناك عاملًا آخر لا ينبغي تجاهله: التضخم وارتفاع القيمة الاسمية للمعاملات. فإذا نما الاقتصاد اسميًا أسرع من نموه الحقيقي، فإن الخزينة تستطيع تحصيل ليرات أكثر حتى من دون أن تكون القاعدة الإنتاجية قد توسعت بالقدر نفسه.
ولهذا ينبغي أن تكون وزارة المالية أكثر شفافية في شرح الافتراض الذي بُنيت عليه قفزة الإيرادات: كم منها ناتج عن تحسن الجباية؟ كم منها عن نمو النشاط الحقيقي؟ وكم منها ناتج عن ارتفاع الأسعار والقيم الاسمية؟
من دون هذا التفكيك، يصعب الحكم على واقعية الرقم.
الدولة تنفق معظم أموالها على الحاضر
يبلغ مجموع النفقات الجارية نحو548.312 تريليون ليرة، مقابل66.633 تريليونًا للنفقات المرتبطة باكتساب الأصول الثابتة. أي أن قرابة 89 في المئة من الموازنة تذهب إلى الإنفاق الجاري، بينما لا تتجاوز حصة الاستثمار 10.8 في المئة.
وهنا يظهر الضعف البنيوي الأوضح في المشروع.
لبنان لا يدخل عام 2027 وهو بلد طبيعي يحتاج فقط إلى تمويل جهازه الإداري. إنه يدخل عامه السابع منذ الانهيار المالي، فيما يحتاج إلى إعادة بناء قطاعات وبنى تحتية وإعادة تكوين رأس المال المادي والبشري. والبنك الدولي يقدّر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، في وقت يتوقع فيه انكماش الناتج الحقيقي 6.4 في المئة في 2026 وارتفاع التضخم إلى 17.5 في المئة.
في هذه البيئة، تخصيص نحو عُشر الموازنة فقط للأصول الثابتة يطرح سؤالًا مشروعًا: هل هذه موازنة تعافٍ أم موازنة تشغيل؟
الجواب الأقرب إلى الأرقام هو أنها موازنة تشغيليّة بالدرجة الأولى.
وهذا لا يعني أنّ زيادة الاستثمار الحكومي ممكنة بسهولة، فالدولة تملك قيودًا ماليّة حقيقية. لكنه يعني أن الاستثمارات الكبرى يجب أن تُفصل تدريجيًا عن الإنفاق الجاري، وأن تعتمد أكثر على تمويل ميسّر ومنح ومشاريع قابلة للتنفيذ، بدل أن تبقى الموازنة محكومة بثنائية الرواتب والتحويلات.
الرواتب والتقاعد: المشكلة المؤجّلة
تبلغ المخصصات والرواتب والأجور وملحقاتها151.455 تريليون ليرة، في حين تبلغ المنافع الاجتماعية 177.773 تريليونًا. وبجمعهما تصل الكلفة إلى نحو 329.2 تريليون ليرة، أي أكثر من 53 في المئة من إجمالي الموازنة.
أما رواتب التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة فتبلغ وحدها95.174 تريليون ليرة، وتشكل قرابة 15.5 في المئة من إجمالي الموازنة.
لا يمكن اعتبار هذا الرقم مشكلة بسبب ارتفاع معاشات المتقاعدين في حد ذاتها؛ فالقطاع العام خرج من سنوات وفقدت خلالها الرواتب جزءًا كبيرًا من قيمتها الحقيقية. المشكلة في غياب إصلاح أعمق لنظام التقاعد ومسار التوظيف والأجور.
وقد حذّر صندوق النقد من محدودية الحيز المتاح لزيادة الإنفاق على العاملين في الدولة خلال السنوات المقبلة، وربط الاستدامة المالية بالحاجة إلى إطار متوسط الأجل للإنفاق والإيرادات.
بالتالي، يمكن لموازنة 2027 أن تموّل هذه البنود، لكن السؤال الذي سيظهر في 2028 و2029 هو: ماذا بعد؟
ما الذي تغيّر في الضرائب؟
من أبرز التعديلات المقترحة رفع الضريبة السنوية المقطوعة على بعض الشركات القابضة وشركات «الأوف شور» بصورة كبيرة؛ وقد وصفت إحدى الصحف المحلّية المقترح بأنه يؤدي إلى مضاعفة الضريبة أربع مرات. كما تسمح التعديلات للشركات التي يحدد رأسمالها بعملات أجنبية، كالدولار أو اليورو، بإمساك الحسابات وإعداد الميزانيات بالعملة نفسها ضمن شروط محددة.
هذه الخطوة تحمل رسالة سياسية واضحة: الدولة تريد توسيع قاعدة التحصيل من الأنشطة والكيانات التي كانت تخضع لترتيبات ضريبية أكثر ملاءمة. ومن حيث المبدأ، هذا اتجاه يمكن الدفاع عنه، خصوصًا إذا كان الهدف تقليص فجوات المعاملة بين الاقتصاد المحلي والكيانات العابرة للحدود.
لكن الخطر هو أن تتحول الزيادة الضريبية إلى سياسة انتقائية بلا تقييم لأثرها على الاستثمار. لبنان يحتاج إلى الإيرادات، لكنه يحتاج أيضًا إلى الاحتفاظ بالشركات والاستثمارات القابلة للاستمرار.
المعيار إذًا يجب أن يكون: هل ترفع الضريبة الإيرادات الفعلية، أم تدفع جزءًا من النشاط إلى خارج النظام؟
الجمارك: الرقم الأكثر حساسية
تقدّر الموازنة إيرادات الرسوم على التجارة والمبادلات الدولية بـ66.944 تريليون ليرة، منها نحو 45.193 تريليونًا من رسوم الاستيراد.
هذا البند سيكون من أكثر البنود حساسية في حال استمرت اضطرابات التجارة العالمية.
لبنان اقتصاد شديد الاعتماد على الاستيراد، وبالتالي فإن ارتفاع كلفة الطاقة والشحن والتأمين ينتقل سريعًا إلى أسعار السلع المستوردة. وفي النصف الثاني من 2026 أصبحت هذه المخاطر أكثر حدّة مع أزمة مضيق هرمز؛ إذ تقول الوكالة الدوليّة للطاقة إنّالحرب أدّت إلى أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق، بعد انهيار حركة الناقلات تقريبًا عبر المضيق، الذي كان يمر فيه نحو 20 مليون برميل يوميًا، أي قرابة 20 في المئة من الاستهلاك العالمي.
وهذا لا يعني أنّ مشروع الموازنة خاطئ لأنّه لم يتنبأ بكل ما سيحدث في هرمز. لكن بعد التطورات التي ظهرت خلال 2026، يصبح من غير الكافي أن تتضمن الموازنة أرقامًا أساسية من دون سيناريوهات صدمة.
الثغرة التي تستحق المعالجة فورًا
أكثر ما ينقص المشروع، من زاوية اقتصادية، ليس بندًا واحدًا بلنظامًا لقياس المخاطر.
الموازنة الحالية تفترض قدرتها على تحقيق الإيرادات وإنفاق الاعتمادات في سنة يمكن أن تواجه فيها البلاد في آن واحد: ارتفاعًا في أسعار النفط، اضطرابًا في الشحن، تراجعًا في السياحة، ضغطًا على القطاع المصرفي، وتراجعًا في النشاط الداخلي.
وكان البنك الدولي قد حذّر بالفعل من أن الحرب الحالية تضرب الاستهلاك والسياحة وسلاسل التوريد، وأن أثرها يخفض الناتج بنحو 10.4 نقاط مئوية مقارنة بمسار افتراضي من دون النزاع.
لذلك تحتاج الموازنة، قبل إقرارها، إلى ثلاثة سيناريوهات معلنة على الأقل: أساسي، وضاغط، وصدمة شديدة. ويجب أن توضح كل حالة أثر ارتفاع النفط وكلفة الشحن والتأمين على الأسعار، والواردات، والتحصيل الضريبي، والعجز، والاحتياطيات.
هنا يمكن أن يتحول مشروع الموازنة من وثيقة حسابية إلى أداة إدارة مخاطر.
ما الذي ينبغي تعديله؟
أول تعديل ضروري هو فصل «التوازن» عن «الجمود»: ليس المطلوب الحفاظ على العجز الصفري بأي ثمن إذا كان ذلك يعني خفض الاستثمار الحيوي أو تحميل الاقتصاد ضرائب إضافية تؤدي إلى انكماشه.
ثانيًا، يجب إعطاء الأولوية لنفقات رأسمالية ذات عائد اقتصادي واضح، ولا سيما الكهرباء والنقل والمياه والجمارك والتحول الرقمي، لأنّ الاستثمار العام هو الجزء الذي يستطيع أن يرفع قدرة الاقتصاد على النمو، لا أن يستهلك موارده فحسب.
ثالثًا، يجب توجيه الإصلاح الضريبي بصورة أكبر نحو توسيع القاعدة وتحسين الإدارة ومكافحة الاقتصاد النقدي والتهرب، بدل زيادة الاعتماد على ضرائب الاستهلاك.
رابعًا، ينبغي إنشاء احتياطي صدمات واضح داخل الموازنة، مرتبط بآلية سحب لا تستخدم إلا في حالات محددة مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو الكوارث أو الأزمات الأمنية الكبرى.
خامسًا، يجب نشر جدول يوضح الفارق بين الإيرادات المحققة فعليًا في 2025، وإيرادات 2026 المقدرة، وإيرادات 2027 المتوقعة، مع تفسير لأي قفزة كبيرة. فالرقم الذي لا يمكن تفسيره لا يصلح أن يكون أساسًا لقرار مالي.
الموازنة تحتاج إلى اختبار لا إلى تصفيق
مشروع موازنة 2027 يحمل عنصرًا إيجابيًا حقيقيًا: إنه يحاول تثبيت مبدأ الإنفاق ضمن الإيرادات، بدل العودة إلى تمويل النفقات بالعجز. وهذا بحد ذاته خطوة مهمة في بلد لا تزال ديونه غير مستدامة، فيما لم تبدأ بعد مفاوضات إعادة الهيكلة بصورة فعلية وفق آخر تقييم للبنك الدولي.
لكن هذا الإنجاز يجب ألا يتحول إلى غاية في حد ذاته.
فموازنة متوازنة يمكن أن تكون جيدة جدًا إذا كانت نتيجة تحسين الجباية، مكافحة الهدر، توسيع الاقتصاد، وإعادة ترتيب الإنفاق. ويمكن أن تكون ضعيفة جدًا إذا وصلت إلى التوازن عبر ضرائب أعلى على الاستهلاك واستثمار أقل.
وهنا تكمن المفارقة اللبنانية في عام 2027: الدولة تبدو أكثر انضباطًا في دفاترها، بينما الاقتصاد الذي سيموّل هذه الدفاتر لا يزال هشًا أمام أول صدمة جديدة.
لذلك، فإن المعيار الحقيقي لنجاح الموازنة لن يكون الرقم «صفر» في خانة العجز، بل قدرتها على اجتياز سنة صعبة من دون أن تضطر الدولة إلى زيادة الضرائب خلال السنة، أو تقليص الاستثمار، أو تأجيل النفقات، أو اللجوء مجددًا إلى إجراءات استثنائية.
والمطلوب قبل إقرارها ليس إعادة كتابة الموازنة بالكامل، بل اختبار صدقيتها: ماذا يحدث إذا ارتفع النفط؟ ماذا يحدث إذا تراجعت الواردات؟ ماذا يحدث إذا انخفضت السياحة؟ ماذا يحدث إذا انخفضت التحويلات؟ وماذا يبقى من «التوازن» إذا اجتمعت الصدمات الأربعة في وقت واحد؟
ذلك هو الاختبار الذي سيقرر ما إذا كانت موازنة 2027 بداية لإصلاح الماليّة العامة، أم مجرد سنة أخرى تمكنت فيها الدولة اللبنانية من جعل الحسابات تبدو أفضل من الاقتصاد الذي تقف عليه.