في الرابع عشر من أيلول، نعود كل سنة إلى ذكرى استشهاد الرئيس القائد بشير الجميّل.
لكن، بعد أربعة وأربعين عامًا، أعتقد أن الوفاء له لم يعد يحتمل أن يبقى مجرّد وقوف أمام صورة، أو استعادة خطاب، أو حنين إلى رجل اغتيل قبل أن تتاح له فرصة ممارسة الرئاسة التي انتُخب لها.
فالرجال الذين يدخلون التاريخ، بالتضحية المطلقة بحياتهم، لا يُكرَّمون بكثرة ما نقوله عنهم، بل بقدرتنا على أن نسأل، بعد رحيلهم:
ماذا بقي من القضية التي حملوها؟
أنا لا أكتب لأمجّد الأشخاص، ولا أعتقد أن بناء الأوطان يتمّ حول أفراد مهما عظمت شخصيتهم. الأشخاص يأتون، يُحمَّلون مسؤولية، يصيبون، يخطئون، يتركون أثرًا، ثم يعبرون. أما الوطن فيبقى.
و"الدولة"، عقل الوطن وقلبه، يجب أن تبقى.
والإنسان يجب أن يبقى حرًّا كريمًا في وطنه.
من هنا، لا يكفي، في ذكرى بشير الجميّل، أن نسرد ونستفيض في الحديث عمَّن كان بشير.
بل أن نعود إلى السؤال الأصعب:
ماذا فعلنا نحن؟ ماذا فعل لبنان، بعد بشير، بفكرة الوطن التي ارتبط اسمه به؟
كان الرجل ابن مرحلة عنيفة، ومركّبة، من تاريخ لبنان. وكانت حوله خصومات وحروب ومواقف لا يمكن حذفها من التاريخ، ولا يجوز أن تُقرأ اليوم خارج سياقها.
ومن حق التاريخ أن يراجع كل ذلك. بل من واجبه.
فالشهيد لا يحتاج إلى تاريخ منزوع النقد، كما لا تحتاج الأوطان إلى ذاكرة تمنع الأسئلة.
لكن وسط كل الجدل حول شخص بشير الجميّل، بقيت فكرة أساسية ارتبطت به بقوّة: أن يكون لبنان دولة فعلية، لا أرضًا سائبة؛ وطنًا له قرار، لا ساحة لقرارات الآخرين؛ ومؤسّسات تحكم الجميع، لا جماعات تتقاسم الدولة وتعلو عليها. ماذا فعلنا لأجل تحقيقها؟ من هنا تبدأ مسؤوليتنا اليوم.
فبعد أربعة وأربعين عامًا على اغتياله، علينا أن نسأل:
هل أصبح لبنان أكثر دولة؟ هل أصبح قراره أكثر استقلالًا؟ هل بات اللبناني أكثر أمنًا في بيته، وأكثر ثقة بمؤسّساته، وأكثر قدرة على أن يخطّط لحاضره ومستقبل أولاده؟ أم أننا حفظنا صورة بشير، أطّرناها بالتعصّب لذكراه، وتركنا الدولة التي حلم بها تضعف عامًا بعد عام؟
إن الذاكرة التي لا تسأل هذه الأسئلة تحوّل الذكرى الخصبة إلى ملجأ عقيم نهرب إليه من الحاضر، وقد يستغلّها أعداء الوطن بتجميل الواقع، لجعلنا نقتنع بأننا نعيش في قصر.
وهذا خطر لبناني متكرّر. نرفع صور من رحلوا وتماثيلهم. نستعيد كلماتهم. نتباكى على زمنهم، ثم نترك الذين يمسكون اليوم بقرارنا، واقتصادنا، وأمننا، ومصير أولادنا، من دون المحاسبة التي نفرضها على التاريخ.
نعيش مع الأموات أكثر مما نواجه الأحياء.
وهنا يصبح احترام الشهداء أحيانًا، من حيث لا ندري، وسيلة للهروب من المسؤولية.
فما قيمة أن نقول إن بشير أراد دولة قوية، إذا قبلنا بدولة عاجزة؟
وما قيمة أن نستعيد الحديث عن السيادة، إذا صار القرار الوطني مفتّتًا بين الداخل والخارج؟
وما معنى أن نفتخر بمن أراد للمواطن أن يعيش مرفوع الرأس، إذا كان اللبناني يهاجر بحثًا عن أمان، أو وظيفة، أو مستقبل لأطفاله؟
وما معنى أن نستعيد مساحة الوطن (١٠٤٥٢ كم²)، وحدوده، إذا كان الإنسان نفسه يفقد قدرته على العيش فوق هذه الأرض؟
من هنا، يجب أن تتحوّل ذكرى الرابع عشر من أيلول إلى امتحان للدولة اللبنانية، لا إلى امتحان للمحبة الشخصية لبشير الجميّل، ولا إلى امتحان للانتماء إلى حزب أو بيئة أو مرحلة سياسية، بل إلى امتحان لكل من يقول إنه يريد لبنان.
فالشهيد الحقيقي لا يحتاج إلى أن نصنع منه صنمًا سياسيًا. والرجل الذي حمل مشروعًا لا يُكرَّم بتحنيط مشروعه في الشعارات. بل يُكرَّم بأن نسأل أين أخفقنا بعده.
وهنا أيضًا، بصفتي رجل دين، أجد من الضروري أن أقول: الله وحده هو المطلق.
لا رئيس، ولا زعيم، ولا قائد، ولا شهيد يحلّ محلّ الله، عزّ وجلّ، في وجدان جماعة أو وطن.
البشر شهود، وخدّام، وأصحاب مسؤوليات. وتقديسهم، وبخاصّة تأليههم، رجسٌ لا يرضاه الله.
وحين يصبح الشخص أكبر من الرسالة التي حملها، نكون قد بدأنا نخون الرسالة باسم الوفاء لحاملها والتنكّر لصاحبها.
ومن هنا، فإن تحرير رسالة بشير الجميّل من أسر الصورة والإطار لا ينتقص منه،
بل يفتح الباب لرسالته، مُفسحًا المجال لمن سيحملها من بعده لتصحيح المسار الذي تسبّب في اغتيال الوطن الذي قرّر أن يستشهد من أجله، ومعيدًا للتاريخ حركته الحقيقية.
هنا فقط يصبح للتساؤل معناه وقوته: بماذا أصاب؟ وأين أخطأ؟ وما الذي كان ابن ظرفه؟ وما الذي بقي صالحًا بعده؟ وما الذي يجب تجاوزه في ضوء اليوم؟
أما أن تبقى الذاكرة ممنوعة من النقد، فذلك لا يصنع شعبًا حيًا.
إنه يصنع أجيالًا ترث الانفعالات ولا ترث القدرة على التفكير.
وبعد كل ما أصاب لبنان منذ عام ١٩٨٢ إلى اليوم، أرى أننا بحاجة إلى عودة مزدوجة إلى ما يلي:
عودة إلى قيمنا الروحية والكتب المقدسة، لكي نستعيد منها أن السلطة خدمة، وأن الكرامة للإنسان، وأن الحق فوق القوّة، وأن المسؤول أمام الناس مسؤولٌ أيضًا أمام الله.
وعودة إلى المعرفة والعلم والخبرة الإنسانية: في السياسة، والاقتصاد، والإدارة، والدستور، والقانون، والتربية، وبناء المؤسّسات.
فالدولة لا تُبنى بالشعارات، ولا بالشهادة وحدها، ولا بالوقوف على الأطلال، ولا بقوّة التجمّعات العصبيّة.
الدولة تُبنى بقانون واحد، وسلطة واحدة، ومؤسّسات تعمل، وقضاء يحاسب، واقتصاد يعطي الإنسان فرصة، وتربية تصنع مواطنًا، وسياسة ترى في الوطن خيرًا عامًا لا غنيمة.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم في الرابع عشر من أيلول:
أين بشير؟ فالجواب يعرفه التاريخ.
السؤال الأهم هو: أين لبنان الذي كان يريد أن يبنيه؟ وأين الدولة؟ وأين المواطن؟ وأين القرار اللبناني؟
وأين حق أولادنا في أن يعيشوا على أرضهم من دون أن يرثوا حروبنا ومخاوفنا وعداواتنا؟
لقد حان الوقت لكي نخرج من عبادة الذكريات إلى مسؤولية التاريخ.
وأن نخرج من تمجيد من ماتوا من أجل لبنان إلى محاسبة من يديرون لبنان اليوم.
فأجمل وفاء للرئيس الشهيد بشير الجميّل ليس أن نبقي صورته معلقة على الجدران، بل أن نُنزل فكرة الدولة عن الجدار إلى الأرض. أن تصبح الدولة أقوى من الجماعات. والقانون أقوى من السلاح الخارج عنه. والمواطن مساو للزعيم بالحقوق والواجبات. والخير العام أسمى من المصلحة الخاصة. وأن يستطيع اللبناني أن يخطّط لحاضره ومستقبل أجياله على أرض وطنه، لا أن تكون الهجرة خطته الوحيدة للنجاة.
فالماضي يُحترم، لكنه لا يُعبد. والشهداء يُكرَّمون، وللصلاة من أجلهم معناها الإيماني، كما للأحزاب وللوطن حقهما في إحياء ذكراهم. لكن يبقى من الضروري التمييز بين الرتبة الدينية، بما لها من غاية روحية، وبين التأبين الحزبي والوطني، بما له من مجال مدني وسياسي.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نضعه أمام ضميرنا في الرابع عشر من أيلول هو:
هل نريد بشير الجميّل ذكرى، أم نريد أن نستعيد من ذكراه الجرأة على بناء الدولة التي ما زلنا ننتظرها؟
























































