حين أُعدّت موازنة لبنان لعام 2027، كان السؤال التقليدي أمام واضعيها هو كيفية المحافظة على توازن الإيرادات والنفقات بعد سنوات من الانهيار. لكن الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز فرضا سؤالًا أكثر قسوة: ماذا يحدث لهذه الموازنة إذا دخل الاقتصاد اللبناني سنة 2027 تحت تأثير صدمة طاقة وشحن طويلة؟
المسألة ليست نظرية. فمع بداية الحرب في 28 شباط 2026، كان مضيق هرمز يمرر نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط والغاز المسال. وفي 15 أيلول انخفض عدد السفن التجارية التي تعبره إلى أربع فقط في يوم واحد، بعدما كان المتوسط قبل الحرب يقارب 125 عبورًا يوميًا. وفي اليوم نفسه تجاوز خام برنت 105 دولارات للبرميل، مع تحذيرات من إمكانية وصوله إلى 120 أو 130 دولارًا إذا استمرت الاضطرابات.
هذه الأرقام تعني أن صدمة هرمز لم تعد مجرد ارتفاع موقت في أسعار الطاقة. إنها صدمة في كلفة الوصول إلى الطاقة نفسها.
لبنان لا يشتري النفط فقط
من الخطأ اختزال أثر هرمز على لبنان في سعر البنزين أو المازوت.
اقتصادياً، تمر الصدمة عبر خمس حلقات متتالية: سعر النفط، كلفة الشحن والتأمين، كلفة الاستيراد، أسعار السلع والخدمات وأخيرًا الاستهلاك والنمو والإيرادات العامة.
وهذا مهم جدًا في حالة لبنان. فبيانات المصرف المركزي تشير إلى أن واردات السلع بلغت21.1 مليار دولار في 2025، أي ما يعادل 63.9 في المئة من الناتج المحلي، وأن ارتفاع الواردات ارتبط جزئيًا بزيادة استيراد منتجات الطاقة والمدخلات الوسيطة، في دليل إضافي على اعتماد الاقتصاد اللبناني الكبير على الخارج.
لذلك، فإن أي اضطراب طويل في طرق النقل العالمية لا يضيف فاتورة نفطية فحسب؛ بل يعيد تسعير جزء واسع من الاقتصاد اللبناني.
الموازنة نفسها تحمل نقطة حساسة
مشروع موازنة 2027 يتوقع إيرادات ضريبية قدرها 528.223 تريليون ليرة، منها321.426 تريليونًا من الرسوم الداخلية على السلع والخدمات. وداخل هذا البند وحده، ترتفع الإيرادات المتوقعة من الرسوم على المواد الملتهبة إلى32.534 تريليون ليرة، مقابل 3.353 تريليونات في التحصيل الفعلي لعام 2025 و7.698 تريليونات في قانون موازنة 2026.
هذه القفزة تستحق تدقيقًا خاصًا.
فإذا ارتفعت أسعار الوقود بسبب أزمة هرمز، يمكن للخزينة أن تحصل ليرات إضافية من الرسوم، لكن ذلك لا يعني أنها ربحت اقتصاديًا. الدولة قد تستفيد ماليًا من ارتفاع السعر الاسمي للوقود، بينما يخسر المستهلك والمؤسسات أضعاف هذا المبلغ عبر ارتفاع كلفة النقل والكهرباء والإنتاج.
بعبارة أخرى، قد تتحسن إيرادات الخزينة في لحظة تتدهور فيها القدرة الشرائية للاقتصاد.
وهذا واحد من أخطر الأوهام التي يمكن أن تنتجها قراءة الموازنة بالأرقام الاسمية وحدها.
فاتورة الشحن أصبحت جزءًا من الموازنة
التحول الأكثر أهمية منذ بداية الحرب هو أن النقل البحري نفسه أصبح سلعة نادرة ومكلفة.
بحسب بيانات الصناعة التي نقلتها "رويترز" في أيلول، ارتفعت علاوات مخاطر الحرب والتأمين على شحنات النفط بصورة هائلة؛ وقد تصل كلفة التأمين إلى 6 في المئة من قيمة الشحنة، بينما ارتفعت علاوة مخاطر الحرب في بعض الحالات إلى 10 في المئة. ويمكن أن تصل الكلفة الإجمالية للعبور والنقل إلى10–20 مليون دولار للشحنة.
وفي سوق الناقلات، قفزت كلفة استئجار ناقلات النفط العملاقة من منطقة الخليج إلى آسيا إلى مستويات قياسية، فيما بلغ سعر الشحن نحو 11.5 دولارًا للبرميل في أحد المسارات، مع تحذيرات من أن استمرار الأزمة سيبقي تكاليف النقل مرتفعة ويحد من توفر السفن.
بالنسبة إلى لبنان، هذا يعني أن ارتفاع سعر النفط العالمي ليس سوى النصف الأول من القصة.
حتى لو بقي سعر البرميل عند مستوى يمكن احتماله، فإن ارتفاع التأمين والشحن والتأخير في الموانئ والبحث عن طرق بديلة قد يرفع كلفة السلعة الواصلة إلى بيروت.
وهنا تحديدًا لا تقدم الموازنة الحالية اختبارًا كافيًا لهذا السيناريو.
الخطر الحقيقي: انكماش القاعدة الضريبية
قد يبدو الأمر تناقضًا، لكنه جوهر المشكلة.
موازنة 2027 تعتمد بقوة على الضرائب المرتبطة بالنشاط الاقتصادي والاستهلاك. ضريبة القيمة المضافة المتوقعة تبلغ 205.667 تريليون ليرة، بينما تبلغ رسوم الاستيراد نحو 45.193 تريليونًا.
لكن صدمة هرمز تعمل في الاتجاه المعاكس لهذه المعادلة.
ارتفاع أسعار الطاقة يرفع الأسعار، ولكنه قد يخفض حجم الاستهلاك الحقيقي. وارتفاع كلفة الشحن قد يقلل حجم بعض الواردات أو يؤخرها. وتراجع القدرة الشرائية يضعف الطلب المحلي. ومعًا، يمكن لهذه العوامل أن تضغط على القاعدة التي تُجبى منها الضرائب نفسها.
لهذا قد يحدث سيناريو شديد الحساسية: ترتفع الأسعار، لكن لا ترتفع الإيرادات الضريبية بالمقدار الذي يتوقعه واضعو الموازنة لأن الكميات الحقيقيّة من السلع والخدمات تنخفض.
أي أن التضخم يمكن أن يرفع الإيرادات الاسمية ويضعف الإيرادات الحقيقية في الوقت نفسه.
وهذه نقطة لا تحظى عادة بما يكفي من الاهتمام في النقاش العام حول الموازنة.
السياحة والتحويلات: القناة الثانية للصدم
حتى لو نجح لبنان في تأمين احتياجاته النفطية، يبقى معرضًا لصدمة ثانية: تدفقات العملات الأجنبية.
البنك الدولي وصف التعافي اللبناني بأنه هشّ، وأكد أن التحويلات والسياحة كانتا من المحركات الأساسية للنمو في 2025، في وقت لا تزال فيه القدرة الاستثمارية المحلية محدودة.
ثم جاءت الحرب الإقليمية لتضرب هذين المحركين مباشرة. ففي آب 2026 حذّر البنك الدولي من أن تجدد الصراع بدد جزءًا كبيرًا من مسار التعافي، وأن أثر النزاع يخفض الناتج المحلي مقارنة بالسيناريو الذي كان يمكن أن يتحقق في غياب الحرب بمقدار10.4 نقاط مئوية، مع ارتفاع التضخم إلى 17.5 في المئة وضغوط متزايدة على المالية العامة.
هنا تصبح علاقة هرمز بالموازنة أكثر وضوحًا.
إذا أدت الحرب إلى تقليص تدفقات السياح والمغتربين أو زيادة كلفة السفر والنقل، يتراجع تدفق العملات الأجنبية. وإذا تراجعت تصبح قدرة السوق على تمويل الواردات أكثر هشاشة. وإذا ترافق ذلك مع ارتفاع فاتورة الطاقة، تتضاعف الضغوط على الاقتصاد.
ومن ثم، أخطر سيناريو للبنان ليس النفط الغالي وحده، بل النفط الغالي مع دولار أقل دخولًا إلى الاقتصاد.
هل يكفي الاحتياطي في الموازنة؟
يتضمن المشروع احتياطيًا للموازنة بقيمة 23.365 تريليون ليرة، إضافة إلى 13.242 تريليونًا تقريبًا مخصصة للنفقات الطارئة والاستثنائية.
هذه الأرقام مهمة، لكنها ليست «صندوق نجاة» بالمعنى الكامل.
فإذا بلغ حجم الموازنة 614.945 تريليون ليرة، فإن الاحتياطي العام يعادل أقل من 4 في المئة منها. وهو هامش محدود جدًا إذا واجه الاقتصاد صدمة مركّبة تشمل الوقود والشحن والدعم الاجتماعي والأمن.
المشكلة ليست في حجم الاحتياطي فقط، بل في السؤال: هل يستطيع لبنان إعادة توجيه النفقات بسرعة من دون شلل إداري أو سياسي؟
في الدولة التي تعاني أصلًا من ضعف مؤسساتي، المرونة المالية لا تعني وجود مال فحسب، بل وجود آلية قرار سريعة وواضحة لاستخدامه.
ما الذي يعنيه هرمز للدين العام؟
قد تبدو هذه النقطة بعيدة عن أزمة المضيق، لكنها في الواقع جوهرية.
مشروع الموازنة لا يتضمن قروضًا داخلية أو خارجية ضمن تمويل الإيرادات، وتظهر الجداول قيمة صفر للقروض في هذا الإطار.
لكن لبنان لا يدخل 2027 من موقع دولة تستطيع الاقتراض بحرية عند وقوع صدمة. فالدين العام لا يزال غير مستدام، والمفاوضات بشأن إعادة هيكلته لم تبدأ بحسب أحدث تقييم للبنك الدولي.
وهذا يغيّر معنى «العجز الصفري»، ففي الدول القادرة على الوصول إلى الأسواق، يمكن أن يمتص عجز استثنائي صدمة موقتة. أما في لبنان، فإن أي فجوة غير متوقعة يمكن أن تتحول بسرعة إلى مشكلة نقدية وتمويلية.
لذلك فإن العجز الصفري في الموازنة اللبنانية ليس هامش أمان؛ إنه في جانب منه قيد على القدرة على امتصاص الصدمات.
ماذا يحدث في السيناريو الأسوأ؟
يمكن تصور ثلاثة مستويات.
في السيناريو الأول، يهدأ اضطراب هرمز خلال أشهر، وتنخفض علاوات التأمين والشحن، وتعود تدفقات النفط تدريجيًا. في هذه الحالة يستطيع لبنان تحمل الصدمة، ولو بتضخم أعلى ونمو أضعف.
في السيناريو الثاني، يبقى المضيق مفتوحًا جزئيًا، لكن حركة النقل تظل منخفضة والأسعار مرتفعة. هنا تصبح الضغوط أكثر صعوبة: فاتورة الاستيراد ترتفع، ويتراجع الاستهلاك، وتتعرض الإيرادات الضريبية لضغط مزدوج.
أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فيجمع بين استمرار اختناق هرمز، وارتفاع النفط إلى 120–130 دولارًا، وتراجع السياحة والتحويلات، واضطراب خطوط الشحن البديلة. عندها لا تعود القضية قضية «موازنة» بالمعنى التقليدي، بل تتحول إلى إدارة أزمة اقتصادية شاملة.
وليس هذا السيناريو بعيدًا تمامًا عن الواقع الحالي؛ فصندوق النقد حذّر من أن الصدمة الأطول أمدًا في هرمز قد تعيد إشعال تقلب السلع وتشدّد الأوضاع المالية وتضغط على هوامش السياسات في الدول الضعيفة.
ماذا يجب أن تفعل الحكومة؟
أول خطوة ينبغي أن تكون إصدار «ملحق مخاطر» للموازنة قبل إقرارها، يضع ثلاثة سيناريوهات معلنة لسعر النفط وكلفة الشحن والتأمين وتأثيرها على التضخم والإيرادات والاستيراد.
ثانيًا، يجب الفصل بين الإيراد الناتج عن ارتفاع الأسعار والإيراد الناتج عن نمو النشاط. لأن الزيادة في تحصيل الرسوم على الوقود لا ينبغي أن تمنح انطباعًا زائفًا بأن الوضع المالي تحسن.
ثالثًا، تحتاج الحكومة إلى تحديد سلة سلع أساسية وإعطائها أولوية لوجستية وتمويلية في حال تفاقمت أزمة الشحن، بدل التفكير في الدعم بصورة شاملة ومكلفة.
رابعًا، ينبغي تخصيص جزء من الإنفاق الاستثماري لمشروعات تقلل اعتماد لبنان على الطاقة المستوردة، حتى لو كان ذلك تدريجيًا. أزمة هرمز أظهرت من جديد أن الطاقة ليست ملفًا خدماتيًا؛ إنها عنصر من عناصر الأمن الاقتصادي.
خامسًا، يجب أن تتضمن الموازنة آلية تلقائية لمراجعة بعض الاعتمادات إذا انخفض النشاط الاقتصادي أو تغيرت أسعار الطاقة بصورة جذرية، بدل انتظار موازنة تكميلية بعد أن تكون الأزمة قد وقعت.
وأخيرًا، ينبغي النظر إلى الاحتياطي البالغ 23.365 تريليون ليرة بوصفه أداة استقرار لا مجرد بند محاسبي، مع وضع قواعد صريحة تحكم استخدامه عند وقوع صدمة خارجية.
الموازنة التي تحتاج إلى سيناريو حرب
تكمن المشكلة الأساسية في مشروع موازنة 2027 في أنها صيغت كما لو أن الخطر الخارجي يمكن فصله عن الاقتصاد الداخلي.
لكن لبنان لا يملك هذه الرفاهية.
فبلد يستورد بقيمة 21.1 مليار دولار سنويًا، ويعتمد في جزء مهم من نموه على السياحة والتحويلات، ويواجه دينًا عامًا غير مستدام وقطاعًا مصرفيًا لا يزال ضعيفًا، لا يستطيع التعامل مع إغلاق هرمز باعتباره حادثًا يقع بعيدًا عنه.
والأهم أن لبنان لا يملك قدرة كبيرة على امتصاص الصدمة عبر الدين أو السياسة النقدية. ولذلك فإن عليه أن يشتري شيئًا آخر بدلًا منه: الاستعداد.
ربما يكون الدرس الأوضح من أزمة 2026 أن الموازنة اللبنانية المقبلة لا تحتاج إلى رقم أكبر بقدر ما تحتاج إلى هامش أوسع للمفاجآت.
فالاقتصاد قد يتحمل ارتفاع النفط، وقد يتحمل ارتفاع الشحن، وقد يتحمل تراجع السياحة. لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تحدث هذه الصدمات معًا.
عندها لن يكون السؤال ما إذا كانت موازنة 2027 متوازنة في 1 كانون الثاني.
السؤال سيكون: هل يستطيع لبنان أن يبقى متوازنًا عندما يختل العالم من حوله؟
















































