استقبلت وزيرة البيئة تمارا الزين بعثة مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في إطار المهمة التي يقوم بها المكتب لتوثيق الانتهاكات الاسرائيلية للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وخُصص اللقاء لعرض الآثار الواسعة للحرب والاعتداءات الإسرائيلية على البيئة في لبنان، ولا سيما في الجنوب والقرى الحدودية، حيث أكدت الوزيرة الزين، والتي عملت على تقييم الأضرار بشكل عام والبيئية منها بشكل خاص حتى منذ ما قبل تولي حقيبة البيئة، "أن ما يجري لا يمكن اختزاله بأضرار مادية عابرة، بل يشمل جرائم بيئية واسعة النطاق وتدميراً ممنهجاً للبيئة ومقومات الحياة، بما يرقى، في عدد من مظاهره، إلى "الإبادة البيئية" وما يضاف اليها من إبادات أخرى".
وعرضت الوزيرة أمام البعثة ما وثّقته وزارة البيئة من إحراق متعمد للغابات والأحراج والأراضي الزراعية، واقتلاع الأشجار وتجريف الأراضي، وتدمير المنازل والبنى التحتية ومصادر الرزق، إلى جانب العبث بالأنقاض وسرقتها، وما يترتب على ذلك من تغيير لمعالم المناطق المتضررة وطمس لآثار الدمار، مشيرة الى "الإحراق المتعمّد من العدو الإسرائيلي لما يزيد عن 16 الف هكتار من الأراضي حتى خلال فترات ما سمّي "بوقف إطلاق النار" عدا عن تلك المحروقة والمقتلعة".
وتوقفت الوزيرة الزين بشكل خاص عند قيام الطائرات الإسرائيلية برشّ مبيد الأعشاب الغليفوسات (Glyphosate) فوق عدد من القرى الحدودية الجنوبية، موضحةً أن "التحاليل المخبرية التي أجرتها الجهات المختصة أظهرت وجود هذه المادة في بعض العينات بتراكيز تفوق المعدلات المعتادة بعشرين إلى ثلاثين مرة، وأن المساحات المتأثرة تُقدَّر بأكثر من ألفي هكتار". وشددت على أن "هذا الاعتداء يهدد الغطاء النباتي والأراضي الزراعية وخصوبة التربة وسبل عيش المزارعين والأمن الغذائي، فضلاً عن المخاطر المحتملة على الموارد المائية والسلسلة الغذائية".
وأكدت أن "هذه الواقعة تشكّل مثالاً إضافياً على الجرائم البيئية التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي مع استغلال أيضا لما يُعرف بمفهوم " تسليح الرياح"، والتي لا تقتصر تداعياتها على الضرر المباشر، بل تمتد إلى تقويض قدرة السكان على استثمار أراضيهم والعودة إليها واستعادة مصادر رزقهم مما يتطلب جهودا مضاعفة للتعافي البيئي".
وشددت الوزيرة الزين على أن" التدمير الممنهج للقرى الحدودية وتجريف الأراضي وإحراق المساحات الزراعية والحرجية لا يستهدف البيئة وحدها، بل يطال مباشرة قدرة السكان على البقاء في أرضهم والعودة إليها، بما يؤدي إلى تهجير متدرج للسكان وإفراغ بعض المناطق من مقومات الحياة وتحويل العودة إليها إلى مسار شبه مستحيل".
وأكدت أن "الجرائم البيئية لا يمكن فصلها عن الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية للحرب، لأن تدمير الأرض والغابات والزراعة والمياه ومصادر الدخل يعني عملياً ضرب علاقة السكان بأرضهم وتهديد حقهم في السكن والعيش وإعادة بناء حياتهم، فالبيئة هي الأرشيف الحي للأمكنة بكا ما يمثله من ترابط مع الإرث الثقافي والتاريخ والمستقبل".
وفي هذا السياق، أطلعت وزيرة البيئة أعضاء البعثة بالتفصيل على واقع عدد من القرى الحدودية وحجم الأضرار التي لحقت بها، ووضعت في تصرفهم أسماء أشخاص وجهات يمكن التواصل معها للحصول على إفادات ومعلومات ومعطيات إضافية من الميدان، بما يدعم عمل البعثة في التوثيق والتحقق.
وعرضت الزين كذلك التقارير التي أعدتها وزارة البيئة، منفردة أو بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية، وفي مقدمها التقرير الأخير حول أثر الحرب على البيئة في لبنان، وما يتضمنه من معطيات علمية وتوثيق للأضرار اللاحقة بالنظم البيئية والموارد الطبيعية، مؤكدة " احترام المعايير العلمية والرصد المبني على تحليل موثوق بما يسمح بحفظ الأدلة وتكوين قاعدة بيانات علمية حول الأضرار وتفاقمها والإصرار على تفادي أية معلومات مغلوطة قد تعود بمفاعيل عكسية على اثبات حق لبنان في مقاضاة العدو الإسرائيلي".
وأكدت الوزيرة الزين في ختام اللقاء "ضرورة أن يحظى البعد البيئي للحرب بالمكانة التي يستحقها في أي مسار دولي للتوثيق والمساءلة"، مشددة على أن "حماية البيئة في زمن الحروب ليست مسألة ثانوية، بل ترتبط مباشرة بحماية الإنسان وحقوقه، وبحق المجتمعات المتضررة في أرضها ومواردها وفي العودة إليها وإعادة إعمارها".
وجددت التأكيد أن "وزارة البيئة ستواصل توثيق هذه الاعتداءات وحفظ الأدلة العلمية المتعلقة بها، ووضع المعطيات المتوافرة بتصرف الجهات الدولية المعنية، بما يساهم في تثبيت الوقائع ودعم مسارات الحقيقة والمساءلة وصون حقوق لبنان وسكان المناطق المتضررة".


































