كما كان متوقعًا، لم يحمل مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني أي جديد على مستوى تحوّله إلى محطة لجمع الأموال، بل كان بمثابة مرحلة تحضيرية جديدة لما سبق، إلى جانب كونه بداية لمسار من البحث العملي في شكل المرحلة التي ستلي انتهاء مهمة اليونيفيل. إذ إن النقاش الذي جمع قيادات عسكرية أوروبية وعربية تجاوز حاجات المؤسسة العسكرية اللبنانية إلى السؤال عن من سيساعد الجيش بعد نهاية العام، ومن سيراقب الترتيبات الأمنية في الجنوب، وتحت أي مرجعية سياسية وأمنية ستعمل الآلية الجديدة؟
بحسب مصادر سياسية مطلعة، فإن أبرز ما أنتجه مؤتمر باريس هو تثبيت الجيش اللبناني باعتباره الفريق الذي يفترض أن يتحمل العبء الأكبر في المرحلة المقبلة، مقابل حاجة واضحة إلى دعم خارجي طويل الأمد يتيح له الانتشار وتنفيذ المهمات المطلوبة منه. ولكن ليس من المعلوم أن ما سيكون مطلوبًا منه هو مصلحة لبنانية بحتة.
الرئيس جوزاف عون تحدث عن شراكة دولية طويلة الأمد، فيما دخل البحث في البدائل عن اليونيفيل مباشرة على طاولة المؤتمر، مع أفكار فرنسية وإيطالية لإنشاء مهمة دولية جديدة، إلى جانب خيار بعثة يقودها الاتحاد الأوروبي تم تأجيل البحث فيها على طاولة الحكومة، بعد أن وصل إلى مجلس الوزراء اقتراح قدمته وزارة الخارجية لإنشاء بعثة أوروبية مدنية–عسكرية لمدة ثلاث سنوات، بعدما أبلغ الاتحاد الأوروبي لبنان استعداده للتحرك ضمن سياسة الأمن والدفاع الأوروبية المشتركة. وبحسب الوثيقة التي أصبحت متداولة، يفترض أن تساعد البعثة الدولة في تعزيز سلطتها ودعم الجيش وقوى الأمن وحصر استخدام القوة بالمؤسسات الرسمية، إلا أن الحكومة لم تتخذ قرارًا بشأنها في جلستها الأخيرة، ما يعني أن الملف لا يزال مفتوحًا على النقاش السياسي وعلى شكل المهمة وصلاحياتها ومكان انتشارها.
تأجيل البتّ بالاقتراح يوضح أن الخلاف ليس على مبدأ دعم الجيش فقط، بل على طبيعة الجهة التي ستقف خلفه بعد خروج اليونيفيل. فهناك طرح أوروبي، وأفكار فرنسية وإيطالية لقوة دولية خارج مظلة الأمم المتحدة، وفي المقابل يبقى لبنان متمسكًا حتى الآن بوجود دور أممي، فيما تُطرح أفكار أخرى لقوة متعددة الجنسيات.
هنا تحديدًا يدخل اتفاق الإطار على الخط، فالاتفاق الذي رعته واشنطن بين لبنان وإسرائيل في حزيران أنشأ مسارًا مختلفًا عن المسار الذي حكم الجنوب منذ العام 2006. فالقرار 1701 وضع الجنوب ضمن إطار دولي تقوده الأمم المتحدة وتشارك فيه اليونيفيل، بينما اتفاق الإطار وضع لبنان وإسرائيل في مسار تفاوضي مباشر برعاية أميركية، وربط الانسحاب الإسرائيلي تدريجيًا بانتشار الجيش وحصر السلاح وتطبيق نموذج المناطق التي تنسحب منها إسرائيل ويتسلمها الجيش اللبناني. واللافت أن نص اتفاق الإطار نفسه لا يذكر القرار 1701 ولا اليونيفيل ولا مجلس الأمن، وهي نقطة سجلتها أيضًا تقارير متخصصة بعمل مجلس الأمن.
من هنا يصبح النقاش حول ما بعد اليونيفيل أكبر من مجرد البحث عن جنود يحلون مكان جنود آخرين. فهناك عمليًا سؤال عن المرجعية التي ستدير المرحلة المقبلة. واشنطن دفعت باتجاه اتفاق الإطار باعتباره المسار الأساسي لمعالجة الصراع بين لبنان وإسرائيل، فيما لا تزال فرنسا والاتحاد الأوروبي يتمسكان علنًا بأن أي تسوية دائمة يجب أن تبقى مرتبطة بالقرار 1701. أما في الأوساط التي تدفع باتجاه المقاربة الأميركية–الإسرائيلية، فيجري الحديث عن نقل اتفاق الإطار في مرحلة لاحقة إلى مجلس الأمن ومنحه غطاءً دوليًا جديدًا، بما يسمح ببناء ترتيبات ما بعد اليونيفيل على أساسه. لكن حتى الآن لا يوجد قرار أميركي معلن أو مشروع رسمي مطروح أمام مجلس الأمن يقول إن اتفاق الإطار سيحل قانونيًا مكان 1701، ولذلك تبقى هذه النقطة جزءًا من الصراع السياسي على المرحلة المقبلة.
وتشير المصادر إلى أن القرار 1701 يتضمن التزامات على الفريقين، وفي مقدمها انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية واحترام السيادة اللبنانية بالتوازي مع بسط سلطة الدولة وحصر السلاح، بينما يقوم اتفاق الإطار على خطوات متبادلة يجري تنفيذها تدريجيًا والتفاوض عليها بين لبنان وإسرائيل تحت الإشراف الأميركي. وتقول إسرائيل إنه يمنحها شرعية العمل في المنطقة الأمنية، ويشرّع احتلالها لمساحة تضمن أمنها.
إذا أصبح واضحًا أن دعم الجيش سيكون مشروطًا، وأن الشروط قاسية جدًا، ومنها تغيير الواقع الأمني في الجنوب بالكامل، فهل يقبل لبنان؟ وهل يملك أصلًا قدرة الرفض، طالما أنه متمسك بأن قوته في ضعفه؟