على وقع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، تُطرح على المستوى المحلي الكثير من الأسئلة حول مصير مسار المفاوضات المباشرة مع تل أبيب، في ظل الشروط الصعبة الموضوعة من قبلها، والتي تتزامن مع حالة من الانقسام الحاد على المستوى الداخلي. إلا أن العنوان الأبرز يبقى محاولة الجانب الإسرائيلي، منذ فترة طويلة، السعي إلى إحداث فتنة في الساحة اللبنانية تكون هي المستفيد الأول منها.
في هذا الإطار، لم يكن مستغربًا أن تبادر تل أبيب، بالتزامن مع التحضيرات لعقد مؤتمر باريس، إلى إطلاق حملة واسعة تستهدف التشكيك بعمل المؤسسة العسكرية، والتي جاءت على وقع تسريبات تشير إلى أن الولايات المتحدة تربط أي مساعدة من الممكن أن تقدمها إلى الجيش بالعمل على نزع سلاح "حزب الله". لكن في الخلفية تبرز معادلة أكثر تعقيدًا سيكون لها تداعياتها الكبرى في المرحلة المقبلة.
هنا، تشير مصادر سياسية متابعة، عبر "النشرة"، إلى أن العقدة الأهم تبقى ما بات يُعرف بـ"آلية التحقق"، التي من المفترض أن تكون المعيار الذي يُحكم بناءً عليه على نجاح نموذج المناطق التجريبية، التي أُطلقت بموجب اتفاق الإطار. وهو ما يفتح الباب أمام رسم الكثير من علامات الاستفهام حول الهدف من حملات التشكيك بالمؤسسة العسكرية، بالتزامن مع قرب انتهاء ولاية قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان "اليونيفيل"، بالإضافة إلى إعلان تل أبيب عدم الانسحاب من "المنطقة الأمنية" قبل نزع سلاح الحزب في كل لبنان.
قبل أيام، نشر الجيش اللبناني ما يمكن وصفه بالجردة الرسمية المفصلة لعمله في زوطر الغربية وفرون وصريفا، حيث عمدت بعض وسائل الإعلام العبرية إلى التعليق بأن المؤسسة العسكرية تتجنب جوهر المسألة، معتبرة أنها رسبت في الاختبار. في حين كانت قيادة الجيش قد أكدت أن "قوات الاحتلال الإسرائيلي لم تلتزم بالاتفاق"، مشددة على أن "وقف الاعتداءات والخروقات هو العامل الأساسي لاستكمال الجيش انتشاره وتنفيذ مهامه وفق اتفاق الإطار". حيث تلفت المصادر نفسها إلى أن ما تقدّم يظهر الخلاف حول المنطلقات العملية، التي تؤكد خطورة غياب آلية التحقق، التي لا تزال موضع خلاف حتى الآن.
ما تقدّم يدفع إلى التشديد على أن آلية التحقق ليست إجراءً تقنيًا فقط، بل عليها يتوقف الحكم على نجاح مسار اتفاق الإطار من عدمه، تمهيدًا للانتقال نحو المراحل الأخرى، التي يراهن عليها لبنان الرسمي من أجل تحصيل الحقوق.
عند هذه النقطة، تشير المصادر السياسية المتابعة إلى عنوانين رئيسيين: الأول: من هي الجهة التي من المفترض أن تتولى آلية التحقق؟ هل تكون الولايات المتحدة التي تتولى رعاية مسار المفاوضات المباشرة، أم تكون جهة ثالثة يتم التوافق عليها، أم يُفرض التنسيق بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي؟ حيث تلفت إلى أن الخطر الأكبر في النقطة الأخيرة، نظرًا إلى أنها تبقى هدفًا بالنسبة إلى تل أبيب. أما العنوان الثاني فهو معايير التحقق التي تسعى تل أبيب إلى أن تتجاوز ما تقوم به المؤسسة العسكرية من إجراءات في الوقت الراهن. وتضيف: "في العنوانين من الممكن الحديث عن كلفة كبيرة على المستوى الداخلي، في ظل الاعتراضات الموجودة على أصل المسار القائم".
في المحصلة، ترى المصادر نفسها أن هناك نقطة أخرى قد تكون الأخطر على المدى البعيد، تكمن في الربط بين الخلاف الذي يرافق آلية التحقق والمعادلة الإسرائيلية الجديدة، أي ربط الانسحاب بنزع السلاح في كل لبنان. حيث تشير إلى أن الآلية، بموجب ذلك، لن تعود مقتصرة على المناطق النموذجية أو المحتلة، بل قد تصبح أداة تنسيق شاملة، بما يعنيه ذلك من فخ ينقل الأزمة إلى الداخل اللبناني المنقسم والمأزوم. بينما كان رئيس الجمهورية جوزاف عون، لدى تطرقه إلى حصرية السلاح أمس، قد أكد أن "الهدف بناء دولة دون الذهاب إلى حرب أهلية أو صراع داخلي".