كتب المؤرخ والكاتب السياسي ​تيموثي غارتون آش​ في صحيفة "الغارديان" أن صعود الأحزاب القومية الشعبوية اليمينية المتطرفة لم يعد ظاهرة محلية، إذ تتصدر المشهد من واشنطن إلى وارسو، ويتساءل لماذا ينبغي أن يثير فوز انتخابي إقليمي محدود لحزب "البديل من أجل ألمانيا" في ​ولاية ساكسونيا​-​أنهالت​ كل هذا القلق، ليجيب بأن العبارة التلقائية في أذهان كثيرين حول العالم هي "لأنها ألمانيا!"، وهي عبارة تستحق التفكيك مثل فصوص برتقالة، لأنها تعني ​هتلر​ ونظامين ديكتاتوريين وحربين عالميتين، ولأن بعض لغة الحزب تثير قشعريرة لدى كل من يعرف الخطاب النازي.

ويضيف الكاتب أن ألمانيا هي القوة المركزية في أوروبا، وأن إحدى رئيستي الحزب أليس فايدل تقول إن حزبها سيترك اليورو ويخرج من منطقة شنغن إذا وصل إلى الحكومة بعد ​الانتخابات الفيدرالية​ المقررة في 2029، ويتساءل عمّا سيبقى من الاتحاد الأوروبي حينها، ويذكّر بأن المفكر الألماني الليبرالي الكبير ​رالف داهرندورف​ قال له أكثر من مرة إنه لن يثق حقًا في متانة ​الديمقراطية الألمانية​ إلا بعد أن تصمد أمام اختبار أزمة اقتصادية كبرى، وأن البلاد باتت قريبة من ذلك الآن، لافتًا إلى أن النظام الدستوري والسياسي والتعليمي للجمهورية الفيدرالية مصمم لمنع أي تكرار لانهيار ​جمهورية فايمار​ وسقوطها في ديكتاتورية هتلر عام 1933، إذ ينبغي أن تكون ديمقراطية قادرة على الدفاع عن نفسها.

ويرى الكاتب أن السؤال عن كيفية دفاع ألمانيا عن ديمقراطيتها ليس أوروبيًا فحسب بل عالمي الأهمية، وأن الصيغة الأكثر إقناعًا بين كل الأجوبة المطروحة في برلين هي: لا حظر الحزب ولا احتضانه، بل تقييده قانونًا ومقاتلته سياسيًا، موضحًا أن الدستور يسمح بحظر الأحزاب "المعادية" لمبادئه الديمقراطية الليبرالية، وأن سياسيين كبارًا دعوا إلى تقديم طلب للمحكمة الدستورية لحظر الحزب أو أجزائه الأكثر تطرفًا، لكن الأمر جاء متأخرًا لأن الحزب أصبح قوة رئيسية في ​البوندستاغ​ منذ نجاحه في انتخابات 2017، ويتصدر استطلاعات الرأي على المستوى الوطني، وأن إبلاغ هذا العدد الكبير من المواطنين فجأة بأنهم غير مسموح لهم بالتصويت للحزب الذي يدعمونه يمثل في حد ذاته اعتداءً على الديمقراطية.

ويشير الكاتب إلى أن الديمقراطية المقصودة ليست حكم الأغلبية المطلقة، بل ديمقراطية ليبرالية يقيّد فيها حكم القانون وحقوق الإنسان والأقليات والمؤسسات التعددية نتائج أي تصويت شعبي، وأن التهديدات الحقيقية للديمقراطية الألمانية اليوم أقل شبهًا بفايمار عام 1933 وأكثر شبهًا بودابست عام 2010 وواشنطن عام 2025، إذ يُقال إن "ترامب الصغار" في الحزب يستكشفون بهدوء أدوات تنفيذية وإدارية شبيهة بتلك التي استخدمها ترامب لتثبيت سيطرته، وللجمهورية الألمانية الحق والقدرة والواجب في وقفهم، ومن بين هذه الأدوات المادة 37 من الدستور التي تتيح للسلطات الفيدرالية تجاوز سلوك الولايات المخالف للدستور، ولم تُستخدم قطّ في 77 عامًا من عمر الجمهورية، وينبغي — إذا شكّل الحزب حكومة الولاية كما يبدو مرجحًا — استخدام كل الصلاحيات الفيدرالية بما فيها هذه المادة حيث يلزم، لمنع مشاركة معلومات استخبارية حساسة عن تصاعد العدوانية الروسية مع فرع ساكسونيا-أنهالت لجهاز الأمن الداخلي الخاضع لحزب موالٍ لروسيا، وتأمين استقلال المحاكم والنيابات وحياد الشرطة والخدمة المدنية، ووقف أي تسييس متطرف للتعليم والبث العام.

ويقول الكاتب إن الأهم من هذه القيود القانونية والإدارية هو الاستجابة السياسية، إذ يقف في الطرف المقابل لمن يدعون إلى حظر الحزب من يدعون إلى التخلي عن "​الجدار الناري​" واحتضان سياسيي الحزب ضمن العملية السياسية الطبيعية بحجة أن تحميلهم المسؤولية في حكومة ولاية سيكشف تناقضهم وعجزهم وانعدام حلولهم الحقيقية، وأن الحديث والعمل معهم سيؤدي في النهاية إلى تلطيفهم كما حدث مع حزب جيورجيا ميلوني في إيطاليا، غير أن الكاتب يقول إنه كان مقتنعًا بهذه الحجج لكن الأدلة التي جمعها علماء سياسة تشير إلى أن استراتيجية الاحتواء قد تمنح القوميين دفعة أكبر، وإن نشطاء الحزب يحذرون أنفسهم من خطر "الميلونيزيشن"، لذلك لا ينبغي للديمقراطيين المسيحيين أن يدخلوا نصف دخول في علاقة مع الحزب كرجل في منتصف العمر يتقدم nervously نحو علاقة خارج الزواج، بل عليهم أن يقاتلوه سياسيًا بفعالية بدءًا من انتخابات نهاية هذا الأسبوع في مكلنبورغ-فوربومرن وبرلين، وأن يقولوا ما هم من أجله لا ما هم ضده، وأن ينفذوا كل إصلاحات سوق العمل والمعاشات والضرائب وغيرها المتفق عليها هذا الصيف مع شركائهم الاشتراكيين الديمقراطيين وأكثر منها، وأن يدافعوا بجرأة عن أجوبة على المقياس الأوروبي وحدها تمنح أي بلد أوروبي قوة مواجهة العمالقة في ظل تحديات خارجية هائلة من العدوانية الروسية إلى الذكاء الاصطناعي الأميركي والصيني.

ويخلص الكاتب إلى أن الأحزاب الألمانية السائدة تحتاج، إلى جانب الذكاء الاصطناعي، إلى "ذكاء عاطفي"، لأن سر نجاح ​أولريتش زيغسموند​ في ساكسونيا-أنهالت، كما حال ترامب ونايجل فاراج في بريطانيا، هو نوع من التواصل العاطفي: "أنا معكم، أسمعكم وأراكم، أشارككم غضبكم، معي يمكنكم قول ما تفكرون به حقًا وأن تكونوا أنفسكم، لأنني في أعماقي رجل عادي مثلكم"، ثم يدعو الجميع إلى كأس جعة والمسير نحو ماضٍ متخيَّل. ويستعيد الكاتب قراءة المقال الشهير لعالم السياسة الألماني المنفي كارل لوينشتاين عام 1937 عن "الديمقراطية المقاتلة"، الذي أصرّ فيه على أن الديمقراطية لا تستطيع "ابتكار صيغ عاطفية قادرة على منافسة زمّاري الفئران الفاشيين"، ومن هنا التركيز على القيود الدستورية، لكن الديمقراطية في بيئة المعلومات المتحولة اليوم، التي تعلي من قيمة الانتباه والدراما والعاطفة، لا يمكن الدفاع عنها بالقيود القانونية والسياسات العقلانية وحدها، بل يحتاج الديمقراطيون في كل مكان إلى منافسة زمّاري الفئران على المستوى العاطفي أيضًا، مع الحضور الدائم على وسائل التواصل والحضور الميداني، وقد أظهر رئيس الوزراء الهنغاري الجديد ​بيتر ماجيار​، وإلى حد ما آندي بيرنهام في بريطانيا، كيف يمكن فعل ذلك، ليبقى الأمر الآن معلقًا بديمقراطيي ألمانيا، وخصوصًا الديمقراطيين المسيحيين، في إثبات قدرتهم على فعل الشيء نفسه.