بين عشرات المواد القانونية والأرقام الواردة في مشروع موازنة العام 2027، ثمة تعديلات قد تبدو للوهلة الأولى تقنية ومحصورة بقانون رسم الطابع المالي، لكن عند التدقيق فيها تفاصيل يومية يعيشها اللبناني: فاتورة الطعام، إيصال السوبرماركت، أو حتى قسائم المحروقات.
فالمادة السابعة والعشرون من مشروع الموازنة تتناول تعديل الفقرة 6 من المادة 43 من المرسوم الاشتراعي رقم 67 تاريخ 05/08/1967 وتعديلاته، وتنص على أن على المكلفين الملزمين بإصدار فواتير وإيصالات وإشعارات دائنة ومدينة خاضعة لرسم الطابع المالي، التصريح عن الرسم وتسديده بموجب تصاريح فصلية إلكترونية، خلال مهلة شهر من انتهاء الفصل المعني، وفق نماذج تضعها وزارة المالية لهذه الغاية.
لكن الأهم يظهر في المادة التاسعة والعشرين من مشروع الموازنة، التي تتناول تعديل التعرفات الواردة في الفقرة "ب" من الجدول رقم 2 الملحق بالمرسوم الاشتراعي رقم 67، أي قانون رسم الطابع المالي.
ففي الجزء المتعلق بالإيصالات والفواتير المعفاة من الرسم، أبقى المشروع على البندين 96 و97، فيما ألغى البنود 98 و99 و100.
ماذا يعني ذلك؟
بالعودة إلى البنود التي يشملها الإلغاء، يتبين أن البند 98 يتعلق بالقسائم الصادرة عن شركات البترول التي يستخدمها الأفراد لتموين سياراتهم بالبنزين وغيره لدى محطات التوزيع، فيما يتعلق البند 99 بالإيصالات التي تثبت قبض نفقة الطعام، والبند 100 بإيصالات استلام الأوراق أو الرسائل.
وفي هذا الإطار، يشرح الخبير المحاسبي ربيع داغر عبر "النشرة" أنه "في الموازنات السابقة كانت فواتير الطعام والبنزين معفاة من رسم الطابع المالي. اليوم، وبإلغاء المواد 98 و99 و100، أُعيد هذا الرسم على هذه السلع".
ويلفت داغر إلى أن "قيمة الطابع هي 20 ألف ليرة، واليوم لم يعد هناك طوابع لصق، بل أصبحت العملية إلكترونية، ويصرّح مثلًا صاحب المطعم أو مالك السوبرماركت عن قيمة الفواتير ويدفع عدد الإيصالات بقيمة 20 ألف ليرة عن كل واحدة".
20 ألف ليرة فقط... ولكن كم تصبح في نهاية الشهر؟
قد يبدو الرقم محدودًا عند النظر إليه على فاتورة واحدة. عشرون ألف ليرة توازي جزءًا صغيرًا من قيمة فاتورة عشاء في مطعم أو مشتريات كبيرة من سوبرماركت.
لكن الحساب يتغير تمامًا عند الانتقال من واحدة إلى آلاف الفواتير. لنفترض، كمثال حسابي فقط، أن مطعمًا يصدر 100 فاتورة خاضعة للرسم يوميًا. عند 20 ألف ليرة لكل فاتورة، تصبح قيمة الرسم مليوني ليرة يوميًا، أي نحو 60 مليون ليرة خلال شهر من 30 يومًا.
وإذا ارتفع عدد الفواتير إلى 200 يوميًا، نتحدث عن 4 ملايين ليرة يوميًا، أي نحو 120 مليون ليرة شهريًا.
أما مؤسسة كبيرة تصدر 500 فاتورة يوميًا، فإن الحساب النظري يصل إلى 10 ملايين ليرة يوميًا، أو نحو 300 مليون ليرة خلال شهر.
هذه الأرقام لا تشكل تقديرًا رسميًا لإيرادات الخزينة، إذ إن الحصيلة الفعلية تتوقف على عدد المؤسسات والفواتير الخاضعة فعلًا للرسم وآلية تطبيق النص والإعفاءات. لكنها توضح كيف يمكن لرسم قيمته 20 ألف ليرة فقط أن يتحول، بفعل التكرار، إلى مبالغ كبيرة.
من سيدفع الـ20 ألف ليرة؟
وهنا تظهر المسألة الأكثر ارتباطًا بالمستهلك فهو "الدجاجة الّتي تبيض ذهبًا". إذا تحمّل صاحب المطعم أو المؤسسة الرسم من هامش ربحه، تصبح الـ20 ألف ليرة كلفة إضافية عليه مع كل فاتورة خاضعة. أما إذا نقلها إلى الزبون، مباشرة أو عبر إعادة احتساب الأسعار، فإن المستهلك يصبح في نهاية المطاف من يتحملها.
خذوا مثلًا فاتورة طعام بقيمة مليون ليرة. إضافة 20 ألف ليرة إليها تعادل 2% من قيمتها. أما إذا كانت الفاتورة 500 ألف ليرة، فالعشرون ألفًا تعادل 4%. وكلما انخفضت قيمة الفاتورة ارتفع الوزن النسبي للرسم.
وهنا تكمن إحدى المفارقات: الرسم مقطوع وليس نسبة من القيمة الفعليّة، وبالتالي فإن أثره النسبي على الفاتورة الصغيرة يكون أكبر من أثره على الفاتورة المرتفعة.
والبنزين أيضًا؟!
ولا تتوقف المسألة عند الطعام. فإلغاء الإعفاء المتعلق بقسائم شركات البترول يفتح الباب أمام كلفة إضافية على القسائم المستخدمة لتموين السيارات بالمحروقات.
ويشرح داغر أن "كل من يأخذ إيصالًا أو ورقة ثمن تعبئة بنزين أو غيره من المحروقات سيضطر إلى دفع رسم طابع مالي قيمته 20 ألف ليرة".
وتزداد أهمية هذه النقطة مع استخدام القسائم من شركات ومؤسسات وجهات عامة وأفراد. وبالتالي، فإن الرسم الذي يبدو ضئيلًا على عملية واحدة يمكن أن يتحول إلى كلفة ملحوظة بالنسبة إلى جهة تدير عددًا كبيرًا من السيارات أو تجري عمليات تموين متكررة.
من الـ20 ألفًا إلى إيرادات الخزينة
السؤال هنا ليس فقط ماذا سيدفع الفرد، بل كم يمكن أن تجمع الخزينة؟
لا يمكن تحديد الرقم من دون معرفة العدد الفعلي للفواتير والإيصالات التي ستصبح خاضعة للرسم بعد تطبيق النص، ولذلك سيكون من غير الدقيق إعطاء رقم نهائي للإيرادات المتوقعة.
لكن الحساب البسيط يظهر حجم المسألة: مليون فاتورة خاضعة للرسم تعني نظريًا 20 مليار ليرة. عشرة ملايين فاتورة تعني 200 مليار ليرة.
وهنا يصبح رسم الـ20 ألف ليرة أكثر من مجرد تفصيل صغير مدفون داخل مواد الموازنة.
فالمسألة ليست في قيمة الرسم على فاتورة واحدة، بل في عدد المرات التي سيتكرر فيها يوميًا وشهريًا وسنويًا، وفي الجهة التي ستتحمل الكلفة في النهاية.
وبين حاجة الدولة إلى زيادة إيراداتها وقدرة المواطن على تحمّل أعباء إضافية، يبقى السؤال الذي سيحدد الأثر الحقيقي لهذه المادة عند إقرارها وتطبيقها: هل سيدفع الرسم صاحب المؤسسة من أرباحه، أم سينتهي، كما يحصل عادة مع الكثير من الأكلاف التشغيلية، داخل السعر الذي يدفعه المستهلك لأنّه "الدجاجة الّتي تبيض ذهبًا"؟