في 31 كانون الأول 2026، تنتهي ولاية قوات "اليونيفيل" العاملة في الجنوب، ويُنتظر أن تبدأ بعدها مباشرة عملية التقليص العددي لهذه القوات الدولية بشكل تدريجي ومنظم، على أن يكتمل الانسحاب بشكل كامل في نهاية العام 2027 المقبل. وفي حال فشل محاولات تمديد عمل هذه الوحدات العسكرية الأممية، وهو الموضوع الذي كان مدار بحث الوفد اللبناني إلى اجتماعات نيويورك، هل من تأثير لانسحابها على الجنوب وعلى أهله؟
صحيح أن القوات الدولية العاملة في الجنوب لم تتمكن من حماية لبنان من الاجتياحات والاعتداءات والخروقات الإسرائيلية على مدى السنوات وحتى العقود الماضية، وصحيح أنها في المقابل لم تنجح في تطبيق قرارات الأمم المتحدة الخاصة بجعل الجنوب خاليًا من السلاح والمسلحين وبتفكيك البنى التحتية التي بناها "حزب الله". لكن الأصح أن انسحاب قوات الأمم المتحدة من دون إيجاد بديل، وفي ظل الظروف الدقيقة الراهنة، يعني عمليًا التسبب بإحداث فراغ أمني كبير، والأخطر يتمثل في سحب الغطاء الدولي الذي كان يظلل لبنان ولو معنويًا!
تذكير أن لبنان يعاني منذ فترة زمنية طويلة من عدم تطبيق القرارات الدولية، بدءًا من القرار 1559 الذي صدر سنة 2004 ودعا إلى حل ونزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، مرورًا بالقرار 1680 الذي جاء بعد عامين وشدّد على تنفيذ الإجراءات المذكورة، والقرار 1701 الذي صدر سنة 2006 والذي نص على إنشاء منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي أفراد مسلحين أو أسلحة أو أصول عسكرية، باستثناء الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، وصولًا إلى القرار 2790 الذي صدر سنة 2025 والذي أعاد التأكيد على ضرورة تنفيذ القرار 1701، ودعا إلى بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي، بحيث لا تكون هناك أسلحة أو سلطة إلا للدولة اللبنانية.
وفي حين أن فشل السلطة في لبنان، والمجتمع الدولي الذي يدعمها نظريًا، في تنفيذ القرارات الدولية التي تشمل حصر السلاح في كل لبنان ومن يد كل الجهات والفئات، يمكن أن يمر دون مشاكل كبرى على الرغم من تثبيته لحالة شاذة تنتقص من سيادة الدولة وهيبة القانون، فإن عدم تطبيق القرارات الدولية الخاصة بالجنوب تحديدًا من شأنه أن يترك آثارًا مدمرة على القرى والبلدات الجنوبية، وأن يعرض اللبنانيين عمومًا والجنوبيين خصوصًا لمخاطر جمّة، بمجرد انفلات الوضع الأمني على غرار ما حصل خلال السنوات الثلاث الماضية. وأظهرت بيانات وزارة الصحة سقوط نحو أربعين ألف ضحية بين قتيل وجريح في لبنان منذ 8 تشرين الأول 2023 حتى اليوم، إضافة إلى استمرار نزوح أكثر من ثلاثمئة ألف شخص عن بلداتهم. وفي جنوب الليطاني وحده، فاق عدد المباني المدمرة أحد عشر ألف مبنى، ولامس عدد الوحدات السكنية المهدمة في المناطق الجنوبية دون سواها 18000 وحدة!
وانطلاقًا من كل ما سبق، فإن من شأن إخلاء قوات الأمم المتحدة الجنوب بلا تأمين البديل أن يطرح سلسلة من الأسئلة بشأن اليوم التالي، والتي لا تزال حتى تاريخه دون أي إجابات شافية، وأبرزها:
أولًا: كيف سيستطيع الجيش اللبناني تعبئة الفراغ الذي سينتج من انسحاب نحو 8300 عسكري دولي، وهو الذي يعاني من نقص في العدد والعتاد، ويطالب بشكل دائم بتوفير الدعم له؟
ثانيًا: ما الذي سيمنع إسرائيل من تصعيد خروقاتها، وهي المتفلتة من كثير من القيود، حتى تحت أعين منظمة الأمم المتحدة، فأي سقف ستبلغه الاعتداءات عند انسحاب القوات الدولية؟
ثالثًا: كيف سيتصرف "حزب الله" الذي لم يتقيد بالقرارات الدولية السابقة، في حال صار أكثر حرية للعمل على الأرض بعد إخلاء الوحدات الدولية وزيادة المساحات الخالية من أي مراقبة في الجنوب؟
رابعًا: من هي الجهة التي ستتولى تأمين حاجات السكان المحاصرين داخل ما يُسمى "المنطقة الأمنية"، وتسهيل تنقلاتهم منها وإليها، وكذلك في البلدات التي تقع بمحاذاة هذه المنطقة أيضًا؟
خامسًا: من هي الجهة التي سترفع التقارير بشأن الأوضاع الأمنية في الجنوب إلى الجهات الدولية التي تتابع الوضع اللبناني، والتي تهتم إلى حد ما بمصير لبنان وشعبه، بعد إتمام الانسحاب؟
سادسًا: هل ستتم تعبئة الفراغ بوحدات عسكرية قتالية من دول معينة، بشكل لا يحظى بإجماع داخلي، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام احتمال تعرضها لعمليات أمنية توقع خسائر في صفوفها، أو احتمال دخولها في صدامات ومواجهات مع عناصر "حزب الله"؟
سابعًا: من سيعوض على نحو 400 موظف لبناني يعملون ضمن قوات اليونيفيل خسارتهم لوظائفهم ورواتبهم، والحركة الاقتصادية التي كان عناصر الأمم المتحدة يؤمنونها للكثير من القطاعات التجارية في الجنوب؟
في الخلاصة، لقد خسر قسم كبير من أهل الجنوب أرضه، واضطر إلى النزوح عن بلدته ومنزله تحت وطأة الاحتلال من دون أفق واضح لتاريخ العودة ولشروطها، في ظل عجز مستمر عن تطبيق القرارات الدولية. فهل سيؤدي إنهاء مهمة قوات الأمم المتحدة في الجنوب بلا إيجاد البديل المناسب لها – إن حصل – إلى سحب الغطاء الدولي عن لبنان والجنوب، بما ينذر بحصول المزيد من المآسي الخارجة عن أي ضوابط بحق الجنوبيين خصوصًا واللبنانيين عمومًا؟!























































