لا يعني تخفيض إسرائيل عدد قواتها العاملة في جنوب لبنان أنها بدأت تخفيف عملياتها أو أنها تقترب من الانسحاب، خصوصًا أن هذه الخطوة تتزامن مع حديث إسرائيلي عن الانتقال إلى "مرحلة جديدة من القتال" خلال الأيام المقبلة. لذلك، ليست الأولوية لمعرفة عدد الألوية التي خرجت أو بقيت، بل ما الذي تعتبر إسرائيل أنها أنجزته في المرحلة السابقة، وما الذي تريد فعله بطريقة مختلفة في المرحلة المقبلة؟
بحسب ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، خفّض جيش العدو عدد الألوية المقاتلة في لبنان من ثمانية إلى ستة، بعد إخراج أربع وحدات وإدخال اثنتين بدلًا منها، بينها قوات شاركت في العمليات البرية الأخيرة. وفي المقابل، تحدثت القناة 12 الإسرائيلية عن استعداد الجيش للانتقال إلى مرحلة جديدة من العمليات بعد إنهاء ما يصفه بتدمير بنى حزب الله في أجزاء من الجنوب.
المعطيان، بحسب مصادر عسكرية، لا يتناقضان بالضرورة، إذ يمكن أن يشيرا إلى انتقال إسرائيل من مرحلة تحتاج إلى انتشار بري واسع إلى مرحلة تحتاج إلى قوات أقل، مع الاعتماد بصورة أكبر على الاستخبارات والمسيّرات والغارات والاغتيالات والتوغلات المحدودة عند الحاجة.
وتشير المصادر عبر "النشرة" إلى أن هذا الاحتمال ينسجم مع الطريقة التي تعاملت بها إسرائيل خلال الأشهر الماضية مع الجنوب. فهي لم تحصر أهدافها بمنع إطلاق النار من لبنان، بل أعلنت مرارًا أن مهمتها منع حزب الله من إعادة بناء قدراته، واحتفظت لنفسها بحرية التحرك كلما اعتبرت أن نشاطًا عسكريًا يجري ترميمه. وبالتالي، قد يكون تقليص القوات محاولة لتخفيف كلفة الانتشار من دون التخلي عن هذه الحرية.
وترى المصادر أن تلة علي الطاهر تقدم نموذجًا يسمح باختبار هذه القراءة. فالجيش الإسرائيلي أعلن إنهاء عملياته ضد البنية التحتية التي قال إنه عثر عليها في المنطقة، ما يفترض أن يفتح السؤال التالي: ماذا يحصل بعد انتهاء المهمة العسكرية؟ هل تنسحب إسرائيل ويسلَّم الموقع إلى الجيش اللبناني، أم تنتقل من مرحلة السيطرة الواسعة إلى تثبيت وجود أصغر يسمح لها بالتحكم بالمنطقة والتدخل فيها عند الحاجة؟
هنا يصبح معنى "المرحلة الجديدة" سياسيًا بقدر ما هو عسكري. فالمفاوضات التي تجري برعاية أميركية تقوم، بالنسبة إلى لبنان، على مسار يفترض أن يؤدي التقدم في انتشار الجيش وحصر السلاح إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي، فيما يمكن أن تكون إسرائيل تعمل وفق معادلة مختلفة تقوم على إزالة ما تعتبره بنى عسكرية لحزب الله، والاحتفاظ بنقاط تراها ضرورية لأمنها، وتقليص القوات الموجودة فيها، ومواصلة العمل العسكري داخل الأراضي اللبنانية عند ظهور أي تهديد.
إذا كان هذا هو الاتجاه، فإن إسرائيل، بحسب المصادر، لا تنتقل من الحرب إلى الانسحاب، بل من شكل للحرب إلى شكل آخر أقل كلفة عليها. عندها يصبح وجود ستة ألوية بدلًا من ثمانية تفصيلًا مقارنة بالسؤال الأساسي الذي يطرح: فهل تقلص إسرائيل وجودها تمهيدًا للخروج، أم تعيد تنظيمه ليصبح قابلًا للاستمرار لفترة أطول؟
يبقى، بحسب المصادر، احتمال آخر لا يمكن إسقاطه، وهو أن يكون جزء من إعادة الانتشار مرتبطًا بإعادة توزيع القوات الإسرائيلية على جبهات أخرى، في ظل استمرار التوتر الإقليمي واحتمال عودة المواجهة مع إيران. لكن لا توجد حتى الآن معطيات كافية تسمح بالجزم بأن القوات الخارجة من لبنان يجري إعدادها لهذه المهمة.
لذلك، سيكون المؤشر الحقيقي في الأيام المقبلة على الأرض وليس في عدد الألوية. فإذا بدأ الجيش الإسرائيلي الانسحاب من نقاط أنجز فيها عملياته ودخل إليها الجيش اللبناني، تكون المرحلة الجديدة جزءًا من انتقال تدريجي نحو ترتيبات مختلفة. أما إذا بقيت السيطرة الإسرائيلية واستمرت الاغتيالات والتوغلات والغارات بقوات أقل، فعندها يكون معنى "المرحلة الجديدة" هو أن إسرائيل لا تنهي الحرب في الجنوب، بل تحاول تغيير شكلها وكلفتها وقواعد إدارتها فقط.






















































