لا تبدو احتمالات تأجيل جولة المفاوضات العسكرية المرتقبة في تامبا بين 20 و22 تشرين الأول مجرد مسألة مرتبطة بالمواعيد، خصوصًا أن واشنطن تدرك منذ البداية صعوبة الوصول إلى تفاهمات مع إسرائيل قبل انتخاباتها النيابية. وهو ما يطرح سؤالًا يتعلق بالأسباب التي تدفع الأميركيين إلى التمسك باستمرار المسار التفاوضي، رغم معرفتهم بأن الظروف السياسية لا تسمح بتحقيق نتائج جدية على الأرض.
بحسب مصادر متابعة، فإن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى نصح مرجعية لبنانية بتأجيل الاجتماع إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، انطلاقًا من تقدير بأن الظروف الحالية لا تسمح بالتوصل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، وأن عقد الجولة في هذا التوقيت قد يؤدي إلى نتائج سلبية بدلًا من تحقيق تقدم في الملفات المطروحة.
لكن اللافت في هذه المعلومات ليس احتمال التأجيل، بل توقيت النصيحة الأميركية. إذ إن موعد الانتخابات الإسرائيلية كان معروفًا عندما بدأ التداول بعقد الجولة، كما أن الموقف الإسرائيلي الرافض لتقديم خطوات جديدة في لبنان لم يكن تطورًا مفاجئًا. وبالتالي يصعب الاعتقاد بأن واشنطن اكتشفت خلال الأيام الأخيرة فقط أن الظروف السياسية غير مناسبة.
من هنا، تشير المصادر عبر "النشرة" إلى ضرورة التمييز بين رغبة الأميركيين في استمرار التفاوض ورغبتهم في عقد جولة جديدة. فالأولى لا تزال قائمة، أما الثانية فتخضع لحسابات تتعلق بالنتائج الممكنة، خصوصًا أن عقد اجتماع لا يحقق أي تقدم، أو ينتهي بخلاف واضح حول آلية التحقق والانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، قد يضعف المسار الذي تعتبره واشنطن أحد إنجازاتها في لبنان.
وتعتبر المصادر أن الولايات المتحدة تريد الحفاظ على هذا المسار لسببين أساسيين: أولهما عدم الاعتراف بفشل الترتيبات التي رعتها، بعدما قدمتها باعتبارها الطريق لمعالجة الوضع الأمني في الجنوب، وثانيهما إبقاء الملف اللبناني ضمن إطار تفاوضي مستقل عن المواجهة الإقليمية مع إيران، بحيث تستطيع واشنطن القول إن معالجة الأزمة اللبنانية مستمرة، ولا تنتظر بالضرورة نتائج المفاوضات الأميركية–الإيرانية أو التسويات الأوسع في المنطقة.
وهذا ما يفسر احتمال تفضيل التأجيل على عقد جولة غير منتجة، لأن استمرار الاتصالات وتحديد موعد لاحق يسمحان للأميركيين بالمحافظة على وجود المسار، فيما قد يؤدي اجتماع فاشل إلى كشف حجم الخلافات بصورة يصعب تجاوزها سياسيًا. خصوصًا أن إسرائيل لا تبدي استعدادًا لتقديم خطوات مقابلة لما تطلبه من لبنان.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن تأجيل الجولة لا يرتب عليها بالضرورة أي كلفة مباشرة، فهي تستمر في عملياتها العسكرية وتحتفظ بمواقعها داخل الأراضي اللبنانية، فيما تبقى الدولة اللبنانية مطالبة بالتقدم في ملف حصر السلاح وانتشار الجيش، من دون أن تحصل على جدول واضح للانسحاب أو وقف الاعتداءات.
في المقابل، يجد لبنان نفسه أمام مشكلة جديدة، إذ إنه لا يستطيع التخلي عن التفاوض باعتباره الوسيلة المتاحة لانتزاع انسحاب إسرائيلي، لكنه لا يملك ضمانات بأن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى نتائج، خصوصًا إذا كان الفريق الأميركي نفسه يعتبر أن الوقت غير مناسب للضغط باتجاه تفاهمات جديدة.
لذلك فإن تأجيل تامبا، إذا تقرر، لا يعني بالضرورة سقوط المفاوضات، بل قد يكون محاولة أميركية لتجنب إعلان تعثرها، بانتظار انتهاء الاستحقاقات الانتخابية وإعادة تقييم الموقف الإسرائيلي.




















































