تساعد التحويلات الأسر والاقتصاد على الصمود، لكن استمرار مغادرة أصحاب المهارات يحرم البلد من جزء من رأس ماله البشري، ويجعل الخارج بالنسبة إلى كثيرين مكان الإنتاج فيما يبقى الداخل مكان الاستهلاك. قد تكون المفارقة الأكثر قسوة في الاقتصاد اللبناني أن البلد يستفيد من أبنائه أكثر كلما ابتعدوا عنه.
الشاب الذي لا يجد وظيفة توازي مؤهله في بيروت يجدها في الخليج أو أوروبا أو أميركا الشمالية. الطبيب يبحث عن بيئة مهنية مستقرة فيغادر إلى مستشفى خارج لبنان، والمهندس ينتقل إلى شركة أجنبية، والخبير في التكنولوجيا يبني خبرته في سوق أخرى. وبعد ذلك يعود جزء من دخل هؤلاء إلى لبنان في صورة تحويلات تساعد عائلاتهم على دفع الإيجار والتعليم والاستشفاء والغذاء.
هكذا يصبح الإنسان اللبناني، في مفارقة شديدة الدلالة، أكثر فائدة مالية لبلده وهو بعيد منه مما قد يكون وهو داخله.
ليست المشكلة في الهجرة نفسها. فالانتقال بحثًا عن حياة أفضل أو فرصة مهنية أو دخل أعلى خيار شخصي لا يمكن اختزاله في الخسارة الوطنية. المشكلة تبدأ عندما تصبح المغادرة الواسعة والمستمرة جزءًا من نموذج يعتمد على أن يعمل اللبناني في الخارج ويرسل جزءًا من دخله إلى الداخل، بدل أن يجد في بلده البيئة التي تسمح له بإنتاج الثروة فيه.
وتعطي البيانات هذه المفارقة وزنًا واضحًا. فقد بلغ صافي الهجرة للبنان ناقص 10,230 شخصًا في 2025، بحسب البنك الدولي، فيما بلغت التحويلات الشخصية الواردة نحو 6.7 مليارات دولار في 2023، بما يعادل 33.3 في المئة من الناتج المحلي وفق أحدث البيانات المنشورة للمؤشر.
قد تبدو المعادلة مريحة للوهلة الأولى: أشخاص يغادرون، وأموال تعود. لكن الاقتصاد لا يعيش على الأموال وحدها؛ فهو يحتاج إلى من ينتجها أيضًا.
المال العائد
لا يمكن إنكار الدور الذي تؤديه تحويلات المغتربين في إبقاء الاقتصاد اللبناني قادرًا على الصمود. فالمال الذي يصل إلى الأسرة قد يدفع قسطًا جامعيًا أو فاتورة مستشفى أو إيجار منزل، وقد يمول الاستهلاك اليومي. وفي بلد واجه انهيارًا ماليًا ومصرفيًا طويلًا، أصبحت هذه الأموال شبكة أمان أساسية لكثير من الأسر.
وقد وثّق البنك الدولي ارتفاع التحويلات من متوسط يقارب 13 في المئة من الناتج بين 2012 و2019 إلى مستويات أعلى بكثير خلال سنوات الأزمة، لتصل إلى نحو 6.6 مليارات دولار في 2023، مع الإشارة إلى أن البيانات الرسمية قد لا تعكس كامل التدفقات الفعلية، لأن جزءًا منها يصل نقدًا أو عبر قنوات غير رسمية.
لكن هناك فارقًا بين اقتصاد يستطيع العيش بفضل التحويلات واقتصاد يستطيع النمو بفضل الإنتاج.
فالتحويل قد يرفع قدرة الأسرة على الاستهلاك، لكنه لا ينشئ بالضرورة مصنعًا جديدًا أو شركة تكنولوجية أو مختبر أبحاث أو وظيفة متخصصة. وعندما يصبح المال القادم من الخارج أهم من القيمة التي ينتجها الاقتصاد في الداخل، يبدأ المجتمع بالاعتماد بصورة متزايدة على دخل يتولد في أسواق أخرى.
وهذا يجعل قدرة لبنان على الصمود مرتبطة، جزئيًا، بقدرة اللبنانيين في الخارج على الاستمرار في العمل وتحويل الأموال. لكن المشكلة الأكبر لا تظهر في الحسابات المصرفية، بل في ما غادر مع أصحاب هذه الأموال.
الإنسان المغادر
ليس كل من يغادر لبنان طبيبًا أو مهندسًا أو باحثًا، ولا يمكن اختزال حركة الهجرة كلها في عبارة «هجرة الأدمغة». لكن تجاهل أثر خروج أصحاب الخبرة والمهارات، وخصوصًا عندما يصبح الأمر واسعًا ومستمرًا، هو أيضًا تجاهل لخسارة اقتصادية حقيقية.
فالمهندس لا يحمل معه شهادته فقط، بل سنوات من التدريب وخبرة مهنية وشبكة علاقات ومعرفة بالسوق وقدرة على إدارة فريق أو تأسيس شركة أو تطوير منتج. وحين يستقر خارج لبنان، تتحول هذه القيمة إلى جزء من اقتصاد آخر.
والبلدان التي تستقبله لا تحصل على عامل جديد فحسب، بل تستفيد من رأس المال البشري الذي استثمرت الأسرة والجامعة والدولة سنوات في بنائه.
ولهذا قد لا تظهر خسارة الهجرة يوم مغادرة الشخص. قد تظهر بعد سنوات، عندما تحتاج شركة لبنانية إلى اختصاص نادر فلا تجده، أو عندما تتراجع القدرة البحثية في جامعة، أو عندما تبحث مؤسسة صحية عن خبرات معينة، أو عندما يصبح إنشاء شركة جديدة أكثر صعوبة لأن البيئة خسرت جزءًا من الأشخاص القادرين على بنائها.
وحذّر البنك الدولي في أحدث تقييم للوضع الاقتصادي اللبناني من أن مغادرة العمال المهرة، إلى جانب النزوح وتعطل التعليم والصحة، يمكن أن تترك آثارًا طويلة الأمد على القدرة الإنتاجية للاقتصاد وآفاق النمو. وهذا يعني أن الخسارة لا تقتصر على عدد الأشخاص الذين غادروا، بل تشمل جزءًا من المعرفة والشبكات والقدرة على الابتكار التي كان يمكن أن تتحول إلى قيمة داخلية.
التحويلات تستطيع أن تخفف نقص السيولة، لكنها لا تعوّض بسهولة كل ما يخسره الاقتصاد من خبرة ومعرفة وإنتاجية.
اغتراب يستثمر
هل يعني ذلك أن على لبنان أن يمنع أبناءه من المغادرة؟ بالطبع لا. فالهجرة جزء من حركة العالم، واللبناني حاضر منذ عقود في أسواق العمل الدولية. السؤال الأكثر واقعية ليس كيف نغلق باب الخارج، بل كيف نجعل لبنان حاضرًا في حياة اللبناني الذي غادر.
قد يبقى الطبيب في باريس، والمهندس في الخليج، والمبرمج في أميركا، والأستاذ الجامعي في كندا، لكن ذلك لا يعني أن صلتهم الاقتصادية بلبنان يجب أن تنتهي عند التحويل الشهري إلى الأسرة.
يمكن للمغترب أن يستثمر في شركة ناشئة، أو يدخل شريكًا في مشروع صناعي أو زراعي، أو يفتح فرعًا لمؤسسته في لبنان، أو ينقل خبرته إلى جامعة، أو يعمل مستشارًا لشركة محلية، أو يدرب فريقًا، أو يعود لفترة محددة من دون أن يضطر إلى اتخاذ قرار بالاستقرار الدائم.
هنا تتحول العلاقة من تحويلات مالية إلى شراكة إنتاجية.
المال المرسل إلى الأسرة يساعد على مواجهة حاجة قائمة، أما الاستثمار فقد يخلق وظيفة جديدة. والتحويل يعالج مشكلة اليوم، بينما المعرفة ورأس المال والشراكات يمكن أن تسهم في بناء اقتصاد الغد.
لكن ذلك يتطلب أن يكون لبنان مكانًا صالحًا للاستثمار أصلًا. فالمغترب لن يضخ أمواله في مشروع إنتاجي إذا كانت القوانين غير مستقرة، أو إذا تعذر تمويل الشركات، أو كان القضاء بطيئًا، أو كانت البنية التحتية مكلفة، أو أصبح التعامل مع الدولة نفسها مخاطرة اقتصادية.
لذلك فإن إعادة بناء العلاقة مع الاغتراب تبدأ من الداخل. لا يمكن مطالبة المغترب بأن يستثمر في اقتصاد لا يثق بقواعده.
وهنا تلتقي قضية الهجرة مع كل الملفات الأخرى التي تواجه لبنان: المصارف، والكهرباء، والإدارة العامة، وإعادة الإعمار، والقضاء. فالمغترب الذي يحقق النجاح في الخارج لا يحتاج إلى خطاب عاطفي كي يحب بلده؛ يحتاج إلى سبب اقتصادي يجعله يرى فيه فرصة، لا مجرد مكان يرسل إليه جزءًا من دخله.
قد لا يعود جميع اللبنانيين، وربما لا يحتاج لبنان إلى عودتهم جميعًا.
ما يحتاج إليه هو ألا تتحول الهجرة إلىطريق باتجاه واحد: إنسان يغادر، وخبرة تُفقد، ثم أموال تصل إلى الداخل.
المعادلة الأفضل هي طريق في الاتجاهين:إنسان يعمل في الخارج، لكن معرفته تصل إلى الداخل؛ رأس مال يتكوّن في الخارج، لكن جزءًا منه يبني مشروعًا هنا؛ شبكة علاقات عالمية تبدأ من لبنان وتعود إليه في صورة فرص وأسواق وشراكات.
عندها تصبح الهجرة موردًا بدل أن تكون مجرد خسارة محتملة.
فالمشكلة ليست أن اللبناني يسافر.
المشكلة عندما يصبح لبنان هو المكان الذيتغادره الطاقات، ولا يعود إليه من هذه الطاقات سوى الأموال.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر: بلد يحتاج إلى تحويلات أبنائه كي يصمد، فيما يحتاج في الوقت نفسه إلى أبنائه كي ينتج وينمو.
ولا يستطيع لبنان أن يطلب من أبنائه الاختيار بين النجاح وبلدهم. لكنه يستطيع أن يبني اقتصادًا يجعل النجاح الذي يحققونه في الخارج قابلًا لأن يتحول إلى قيمة في الداخل.
عندها لا يعود لبنان يصدّر شبابه كي يستورد أموالهم، بل يصبح قادرًا على الاستفادة من شبابه أينما كانوا.






















































