لم تعد أزمة الكهرباء في ​لبنان​ مجرد مشكلة انقطاع في التغذية أو ساعات إضافية من التقنين، بل تحولت بالنسبة إلى ​المؤسسات الصغيرة والمتوسطة​ إلى عنصر أساسي في ​كلفة الإنتاج​، يضغط على هوامش الأرباح ويصل في نهاية المطاف إلى المستهلك من خلال أسعار السلع والخدمات.

فالمؤسسة اللبنانية التي تحاول الاستمرار اليوم لا تدفع فاتورة واحدة للحصول على الكهرباء، بل تجد نفسها أمام مزيج من كهرباء الدولة والمولد الخاص، وفي حالات كثيرة الاستثمار في ​الطاقة الشمسية​ والبطاريات. وبين هذه المصادر المختلفة، بات تأمين الطاقة جزءًا من نموذج عمل المؤسسة نفسها، لا مجرد بند ثانوي في نفقاتها.

فإلى أي حدّ تغيّرت كلفة الطاقة منذ ما قبل أزمة 2019؟ وكم أصبحت تستهلك من كلفة إنتاج المؤسسات؟ وهل يدفع المستهلك في نهاية المطاف ثمن ما يمكن وصفه بـ"الكلفة اللبنانية الإضافية" للطاقة؟

أقل من 15% إلى 40%!؟

يشرح الخبير الاقتصادي ​ميشال فياض​، في حديث لـ"النشرة"، أن الطاقة كانت تشكل قبل عام 2019 عائقًا أمام المؤسسات، لكنها بقيت ضمن مستويات يمكن التعامل معها نسبيًا.

ففي ذلك الوقت، كانت مؤسسة ​كهرباء لبنان​ تبيع الكيلوواط/ساعة بنحو 9 سنتات وفق التعرفة التي كانت مجمّدة منذ عام 1994، رغم أن الكلفة الفعلية للإنتاج كانت أعلى بكثير، فيما كانت ​المولدات​ الخاصة تتولى سد فجوات التغذية بكلفة كانت تدور غالبًا حول 25 إلى 30 سنتًا للكيلوواط/ساعة.

لكن الأزمة غيّرت المعادلة. ويشير فياض إلى أن تغذية كهرباء لبنان تراجعت في مراحل الأزمة إلى بضع ساعات يوميًا، فيما بات 84.5% من المؤسسات يمتلك مولدًا أو يشترك في مولد، بالتوازي مع معدل مرتفع جدًا لانقطاعات الكهرباء.

والنتيجة، وفق فياض، أن حصة الطاقة بالنسبة إلى الصناعة انتقلت من أقل من نحو 15% من كلفة الإنتاج إلى مستويات قد تصل إلى 40% في بعض الحالات.

ويلفت إلى تقديرات تشير إلى ارتفاع تكاليف إنتاج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بنحو 300% منذ عام 2020، موضحًا أن هذا الارتفاع لا يعود إلى الطاقة وحدها، لكنها أصبحت أحد أكثر بنود الكلفة وضوحًا، ولا سيما أنها باتت "مدولرة" وغير قابلة للضغط بسهولة.

فاتورتان... وأحيانًا ثلاث

المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع سعر الكيلوواط، بل في تعدد مصادر الطاقة التي تضطر المؤسسة إلى تمويلها في الوقت نفسه.

ويشرح فياض أن "الفاتورة المزدوجة، وغالبًا الثلاثية، أصبحت القاعدة": فاتورة كهرباء لبنان عندما تتوافر التغذية، واشتراك المولد الذي يتضمن بدلًا ثابتًا بحسب الأمبيرات إضافة إلى الاستهلاك، ثم كلفة الاستثمار في الطاقة الشمسية والبطاريات وأجهزة تحويل التيار بالنسبة إلى المؤسسات التي استطاعت تمويل هذا الخيار.

وبحسب التقديرات والدراسات التي يستند إليها فياض، تتراوح حصة الطاقة من تكاليف التشغيل أو الإنتاج بين 10 و40% بحسب طبيعة النشاط.

وتقترب النسبة من 25 إلى 40% في الصناعة والصناعات الغذائية والتبريد والبلاستيك والطباعة والورش، بينما تدور غالبًا بين 10 و20% في التجارة والخدمات والمكاتب.

لكن انخفاض النسبة في قطاع الخدمات لا يعني بالضرورة أن العبء بسيط، إذ إن الرسم الثابت للمولد يمكن أن يشكل كلفة ثقيلة جدًا بالنسبة إلى مؤسسة صغيرة محدودة المداخيل.

مليارات الدولارات لإنتاج الكهرباء خارج الشبكة

ولا تقتصر المشكلة على المؤسسات منفردة، إذ يشير فياض إلى تقديرات تضع ما تنفقه الشركات اللبنانية على إنتاج الكهرباء الخاصة بين 2 و3 مليارات دولار سنويًا، فيما يقدّر حجم سوق المولدات بنحو 2.5 إلى 3 مليارات دولار.

وتكشف هذه الأرقام حجم الموارد التي تضطر المؤسسات إلى تخصيصها للحصول على خدمة يفترض في الظروف الطبيعية أن تؤمنها شبكة كهربائية مستقرة.

وهنا يتحول السؤال من كلفة الكهرباء على المؤسسة إلى تأثيرها في الاقتصاد ككل: من يدفع هذه الفاتورة في النهاية؟

المستهلك يدفع "الـPremium اللبناني"

بحسب فياض، فإن ارتفاع كلفة الطاقة يشكل أحد عوامل ​التضخم​ الناتج عن ارتفاع كلفة الإنتاج، وإن لم يكن العامل الوحيد في بلد يتأثر أيضًا بالدولرة و​الاستيراد​ والتطورات الأمنية وهوامش الأرباح.

ويلفت إلى ثلاثة مسارات تعتمدها المؤسسات في مواجهة المشكلة. الأول هو نقل جزء من كلفة الكهرباء إلى السعر النهائي للسلعة أو الخدمة، وبالتالي يصبح المستهلك هو من يدفع ما يسميه فياض "الـPremium اللبناني".

أما الثاني فهو خفض الإنتاج والاستهلاك، مشيرًا إلى أن انخفاض استهلاك المؤسسات للكهرباء بأكثر من 52% لا يمكن قراءته فقط باعتباره تكيفًا مع الأزمة، بل يمكن أن يعكس أيضًا انكماشًا في النشاط الاقتصادي.

والخيار الثالث يتمثل في اللجوء إلى الاستيراد بدل الإنتاج محليًا عندما تصبح كلفة تصنيع السلعة في لبنان أعلى من استيرادها.

ويلخص فياض المفارقة بمثال مباشر: المنتج المستورد لم يتحمل كلفة كهرباء تصل إلى نحو 0.40 دولار للكيلوواط/ساعة في فرن الشباك قبل وصوله إلى ​السوق اللبنانية​.

من فاتورة المؤسسة إلى سعر السلعة

تظهر المشكلة بوضوح أكبر عندما يرتفع سعر ​المازوت​. فالتغيير ينتقل سريعًا إلى تعرفة المولدات، ومنها إلى كلفة تشغيل المؤسسة، قبل أن يظهر في أسعار السلع والخدمات أو في هامش أرباح المنتج.

وبالتالي، يرى فياض أن المؤسسات تواجه مزيجًا من التضخم المستورد والتضخم الناتج عن الاعتماد على شبكة إنتاج كهرباء خاصة.

وهكذا لم تعد كلفة الطاقة مشكلة بين صاحب المؤسسة ومزود الكهرباء فحسب. فحين تصل في بعض الصناعات إلى 40% من كلفة الإنتاج، تصبح جزءًا من سعر المنتج وقدرته على المنافسة ومن قدرة المستهلك على شرائه.

لكن المشكلة الأكثر خطورة قد تبدأ بعد ذلك: فإذا كان المنتج اللبناني يدخل السوق أصلًا محملًا بهذه الكلفة، فكيف يمكنه منافسة منتج مستورد صُنع بكهرباء أرخص؟

وهنا تنتقل أزمة الكهرباء من خانة ​الأسعار​ إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الإنتاج والاستثمار في لبنان.