قبل أشهر قليلة، كانت السلطة الانتقالية في سوريا برئاسة أحمد الشرع تُقدَّم، من قبل العديد من الجهات الإقليمية والدولية، بوصفها النموذج الذي يُفترض أن تتعلم منه دول أخرى، بالرغم من كل التجاوزات التي ارتكبتها، انطلاقًا من الدور الذي تقوم به في المرحلة الإقليمية الجديدة، وتحديدًا ما بعد السابع من تشرين الأول من العام 2023.
بناءً على ذلك، كانت هذه السلطة، من الناحية العملية، تركز على كيفية كسب الشرعية الخارجية التي تمنحها القدرة على الاستمرار، متجاهلة ما كان يُطرح بشأن أهمية التركيز على الشرعية الداخلية، خصوصًا أن الوعود التي كانت تقطعها كانت كبيرة جدًا.
لحظة حقيقة
في الأسابيع الماضية، وجدت السلطة الانتقالية في دمشق نفسها أمام مجموعة كبرى من التحديات، تحديدًا على المستوى المعيشي، بعد أن فرضت الأزمة الاقتصادية العالمية نفسها نتيجة الحرب في المنطقة، ما قاد إلى تحركات شعبية واسعة بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، لم يكن من الممكن التشكيك بها باعتبار أنها جاءت من البيئة التي تُصنف أنها حاضنة لها.
بالتزامن مع ذلك، اكتشفت السلطة أن معظم الوعود التي قُدمت لها، تحديدًا بالنسبة إلى الاستثمارات الخارجية، لم تكن جدية. فمعظم الدول القادرة على ذلك وجدت نفسها أمام مشاكل مالية كبرى تتطلب منها الانتقال إلى التركيز على أولويات أخرى. في حين لا يمكن تجاهل معطى آخر يكمن في عدم توفر الأرضية المناسبة على المستوى الداخلي نتيجة استمرار حالة عدم الاستقرار.
في سياق متصل، لا ينبغي تجاهل أن سوريا كانت قد تحولت أيضًا، في الفترة الماضية، إلى ساحة صراع نفوذ بين الجانبين التركي والإسرائيلي، بالرغم من كل الجهود التي تُبذل من أجل ضبط حدوده، لا سيما أنه لا مصلحة لدى الولايات المتحدة في تفجيره بشكل كامل. إلا أن ما تقدّم لا يلغي حساسية موقع سوريا في المشاريع الاقتصادية الكبرى المطروحة على مستوى المنطقة.
ما بعد الملف الإيراني
وسط هذه الأجواء، بدأت الكثير من الأوساط السياسية تتحدث صراحة عن أن الملف السوري سيُعاد فتحه بشكل جدي بعد الانتهاء من الملف الإيراني، خصوصًا أن النظرة إلى السلطة الانتقالية كانت تنطلق من أن هناك أدوارًا مطلوبة منها من قبل الجهات الخارجية الداعمة لها، أغلبها كان مرتبطًا بالنفوذ الإيراني على مستوى المنطقة بشكل رئيسي.
هنا، يتحدث البعض عن وجود غضب أميركي من موقف الشرع تجاه طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتكرر بالتدخل في لبنان، الأمر الذي كان من الصعب عليه القيام به بسبب موقف الجهة الأكثر تأثيرًا عليه، أي تركيا، بالإضافة إلى المخاطر التي قد تنجم عن هذا الخيار. وبناءً عليه، فإن الحصانة التي كان يحظى بها في وقت سابق لم تعد متوفرة.
في المقابل، هناك من يؤكد أن المسألة أعقد من ذلك بكثير، بل هي مرتبطة بعدم القدرة على معالجة ملفات داخلية أكثر أهمية، منها ملف المقاتلين الأجانب، وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى عدم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي طالت العلويين والدروز في الفترة الماضية. وبالتالي، لا يمكن الاعتماد على هذه السلطة الانتقالية من أجل بناء حالة استقرار طويلة الأمد.
مؤشرات لافتة
في هذا المجال، يمكن الحديث عن العديد من المؤشرات اللافتة التي تستحق التوقف عندها، أبرزها قد يكون التفجيرات التي تطال مخازن الأسلحة الخاصة بالجيش السوري الجديد، لما تثيره من علامات استفهام كبرى حول أسبابها، والهدف منها في حال وجود جهات تقف خلفها، وهو ما يعزز المخاوف على المستوى الأمني بشكل أساسي.
على المستوى الاقتصادي، لا يمكن تجاهل الإعلان الرسمي، أول من أمس، عن توقف تدفق الغاز من محطة الجبسة إلى محطات توليد الكهرباء، إثر اندلاع حريق في خط للغاز بين منطقة الشولا ودير الزور، نتيجة انفجار في صمام عزل وصفته السلطات بأنه ناجم عن "عمل تخريبي". وذلك في وقت تسعى فيه دمشق إلى تقديم نفسها بوصفها حلقة وصل رئيسية في مشاريع الطاقة الإقليمية، في حين كانت العاصمة نفسها قد شهدت تفجيرات، تم التغاضي عنها، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لها قبل فترة قصيرة.
أما على المستوى الداخلي، فإلى جانب الكثير من التحديات المرتبطة بالواقع المعيشي والعلاقة مع مختلف المكونات الطائفية والعرقية، كان لافتًا إعلان الفرع السوري من حركة "الإخوان المسلمين" تمسكه بالعمل التنظيمي، بالرغم من الدعوات التي وُجهت له في الفترة الماضية من قبل شخصيات في السلطة الانتقالية لحل نفسه.
في المحصلة، تزداد التحديات الداخلية والخارجية التي تفرض نفسها على السلطة الانتقالية في دمشق، مما يفتح الباب أمام طرح الكثير من الأسئلة حول ما إذا كان موعد المحاسبة الخارجية قد اقترب، بعد فترة من الترويج الكبير لنموذج صُوّر على أنه فريد من نوعه. في حين أنها لا تملك أيًا من الأدوات التي تسمح لها بالمعالجة الذاتية، وبالتالي يبقى الرهان على ما قد يأتي من الخارج فقط، في وقت كان لافتًا مبادرتها إلى الإعلان، أول من أمس، عن "إحباط مخطط تخريبي في حوض اليرموك بدرعا، والإطاحة بخلية مرتبطة بحزب الله".























































