في 20 آذار من العام 2003، أطلق الجيش الأميركي عملية عسكرية كبرى في العراق، وتمكن من الدخول إلى بغداد في 9 نيسان، مُسقطًا حكم الدكتاتور صدام حسين. واليوم، ومع خروج آخر جندي أميركي من "بلاد ما بين النهرين"، واحتفاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب بذلك، من البديهي طرح سلسلة من الأسئلة، وأبرزها: هل نجح مشروع الولايات المتحدة الأميركية الخاص بالعراق أم فشل؟
بداية، لا بدّ من التذكير بأن الانسحاب الأميركي الفعلي من العراق كان قد تمّ في 18 كانون الأول 2011، حيث اقتصر الوجود العسكري الأميركي بعد ذلك على مجموعات قتالية صغيرة أدت أدوارًا في مجالات التدريب وتقديم الاستشارة والحماية وغيرها. مع الإشارة إلى أن مرحلة محاربة تنظيم "داعش" الإرهابي اعتبارًا من العام 2014 كانت قد عادت لتشهد تزايدًا متجددًا للحضور العسكري الأميركي. وفي كل الأحوال، طُويت اليوم صفحة الوجود العسكري للجيش الأميركي وقوات التحالف الغربي في العراق بشكل نهائي، على الرغم من استمرار التعاون الأمني والدفاعي بين واشنطن وبغداد. فما الذي نجحت أميركا في تحقيقه، وبماذا أخفقت؟
أولًا: عقدت أميركا منذ العام 2003 سلسلة من الصفقات العسكرية مع العراق، لتزويد الجيش العراقي بطائرات من طراز "أف 16" (36 طائرة، تحطمت اثنتان منها خلال التدريبات)، ودبابات من طراز "أم 1 آي 1"، وطوافات، وصواريخ، وأسلحة وتجهيزات وذخائر مختلفة. وبلغت قيمة هذه الاتفاقات نحو 23 مليار دولار أميركي. وفي السنوات القليلة الماضية، تراجعت وتيرة هذه الصفقات وقيمتها لتبلغ بضع مئات من ملايين الدولارات فقط، ولتشمل مجالات فحص المركبات، والاتصالات العسكرية، والترابط عبر الأقمار الصناعية، وغيرها. ويمكن القول إن أميركا ما زالت تبيع العراق أسلحة ومعدات عسكرية حتى 2026، لكن الصفقات الأخيرة محدودة مقارنة بالصفقات الكبرى في العقد السابق.
ثانيًا: مهدت الولايات المتحدة، من خلال تواجدها العسكري ونفوذها في العراق، الطريق أمام عقد صفقات تجارية واقتصادية واستثمارية مدنية الطابع بين شركات أميركية وأخرى عراقية، بقيمة عشرات مليارات الدولارات. وبلغت التجارة الثنائية بين الجانبين في العام 2025 وحده أكثر من 10 مليارات دولار، في حين جرى في تموز الماضي عقد مذكرات تفاهم مع شركات أميركية بقيمة إجمالية تبلغ 60 مليار دولار، على أن يتم تنفيذ هذه الاتفاقات خلال السنوات المقبلة.
ثالثًا: في مقابل النجاح الذي حققته واشنطن اقتصاديًا وماليًا، فإن الهدف العسكري الأميركي الذي كان يقضي بإقامة نظام عراقي ديمقراطي بعد إسقاط الرئيس صدام حسين بسواعد الجيش الأميركي، فشل بشكل كبير. لأنه بعد انهيار النظام "البعثي" الحاكم وتفكك مؤسسات الدولة، استغلت إيران الفراغ السياسي والأمني، ودعمت أحزابًا شيعية المذهب وفصائل مسلحة عدة، وكوّنت نفوذًا واسعًا داخل المنظومة السياسية والأمنية والاقتصادية العراقية على حساب الدولة العراقية المركزية القوية. والأكيد أن المشروع الأميركي الذي كان يقضي بأن تكون السلطة الجديدة في العراق بعد مرحلة حزب "البعث" موالية لها لم يتحقق، ووقع العراق في القبضة الإيرانية التي استغلت القضاء على خصمها العراقي اللدود لتوسيع انتشارها ونفوذها، ليس في العراق فحسب بل على المستوى الإقليمي ككل. والمحاولات السابقة والحالية لإخراج العراق من دائرة النفوذ الإيراني لم تنجح حتى تاريخه. وعلى الرغم من أن بغداد تحتفظ بعلاقات قوية مع واشنطن، فإنها تتعاون مع طهران بشكل كبير، وتُعد إيران موردًا رئيسيًا للعراق في مجال الغاز والطاقة الكهربائية والسلع على أنواعها، والتجارة السنوية بين طهران وبغداد تُقدّر بنحو 12 مليار دولار أميركي.
وانطلاقًا مما سبق، ما هو مستقبل العراق في ضوء انتهاء مرحلة الوجود العسكري الأميركي فيه؟
من المتوقع توسع حجم النفوذ الإيراني والفصائل الموالية له داخل العراق، لكون الوجود الأميركي المباشر كان يشكل عامل توازن. وفي حال لم تنجح الحكومة العراقية بسحب الأسلحة غير الشرعية من أيدي الفصائل المختلفة، فإن من شأن العلاقات الوثيقة التي تربط إيران ببعض الجماعات العراقية المسلحة، خصوصًا ضمن "الحشد الشعبي"، أن تزداد وتقوى على حساب هيبة الحكومة العراقية وقوتها ونفوذها. وتوجد حاليًا مفاوضات حثيثة بين الحكومة العراقية والميليشيات المسلحة العراقية على أنواعها، لحسم هذا الموضوع.
من جهة أخرى، ستُلقى على كاهل الجيش العراقي مهمة صعبة تتمثل في حماية حدود البلاد، ومكافحة خلايا تنظيم "داعش" الإرهابي، بعد أن كانت القوى الأمنية العراقية تعوّل بشكل واسع على المساعدة الأميركية في مجالات الاستطلاع ورفع التقارير الاستخبارية والتوجيه الأمني. وليس مستبعدًا أن تعود خلايا داعش لتنشط مجددًا في المستقبل، ولو بشكل جزئي ومحصور جغرافيًا.
إلى ذلك، من المرتقب أن يتعرض إقليم كردستان لضغط سياسي وأمني متزايد، لأنه مع تراجع المظلة الأميركية، وفي ظل الضغط الإيراني المتزايد بشكل مباشر أو عبر فصائل موالية لطهران في العراق، فإن مصير الأكراد ليس مضمونًا، خصوصًا بفعل ضعف قدرات الدفاع الجوي الكردية، وإن كانت قوات "البشمركة" ما زالت متماسكة وموجودة، والعلاقة الأمنية بين بغداد وأربيل مستمرة.
في الخلاصة، يمكن القول إن الولايات المتحدة الأميركية استفادت ماليًا بشكل كبير من العراق، وحققت شركاتها كسبًا بعشرات مليارات الدولارات، لكن واشنطن فشلت فشلًا ذريعًا في تحقيق الغاية السياسية والأمنية من اجتياح العراق قبل أكثر من عقدين. واليوم، ما لم تنجح واشنطن، بمساعدة الدول الخليجية في استمالة الحكم العراقي، وفي إضعاف النظام الإيراني، فإن نفوذ واشنطن في الأراضي العراقية سيتراجع أكثر فأكثر، وستعمل طهران في المقابل على محاولة تعبئة هذا الفراغ.






















































