لم يتم التعامل مع حادثة "فلاي دبي" الأخيرة على أنها حدث عابر، وقد أعطى كل فريق وجهته ونظرته لها من زاويته الخاصة. ولكن الحادثة بذاتها أظهرت كيف يمكن أن ينتقل التهديد إلى داخل منظومة مدنية مرتبطة مباشرة بحركة الإسرائيليين، وذلك بعد أحداث أخرى شهدتها دول في مختلف أنحاء العالم في الفترة الأخيرة، استهدفت إسرائيليين ومراكز يهودية مختلفة. والأهم هذه المرة هو أن العملية كانت من قبل الطاقم الخاص بالطائرة، أي حيث من المفترض ألا يشتبه بهم أحد. لذلك، فعلى الرغم من أن النمط كان موجودًا بالفعل خلال السنوات الأخيرة، إلا أن التغيير الذي تكشفه حادثة "فلاي دبي" يتعلق بطبيعة الوصول إلى الهدف. فبدلًا من استهداف تجمع أو منشأة إسرائيلية من الخارج، ظهر احتمال استغلال موقع وظيفي داخل بنية مدنية عابرة للحدود للوصول مباشرة إلى عدد كبير من الإسرائيليين، وهذا يوسع مفهوم "العملية الخارجية". فالهدف لم يعد بالضرورة سفارة أو منشأة أو تجمعًا، وإنما يمكن أن يكون وسيلة نقل أو مؤسسة مدنية أو شخصًا يمتلك بحكم عمله قدرة استثنائية على الوصول إلى الهدف. وإذا ثبت أن اختيار الرحلة ارتبط بوجهتها أو بركابها، فإن ذلك يمثل تطورًا نوعيًا في طبيعة التهديد، حتى لو اتضح في النهاية أن المنفذ تحرك بمفرده. وهنا تكتسب الحادثة دلالتها السياسية الأوسع. فإسرائيل تخوض منذ سنوات صراعًا متعدد الجبهات، وأصبح أمن الإسرائيليين في الخارج جزءًا من معادلة الأمن القومي. ومع استمرار العمليات في غزة ولبنان وسوريا، يتسع المجال الذي يمكن أن تنتقل إليه تداعيات الصراع، بحيث لا يعود الخارج مجرد مساحة خلفية للحرب، بل يصبح امتدادًا محتملًا لها.
ضمن هذا السياق، كان لنجاح العملية المحتمل أثر سياسي واستراتيجي مختلف جذريًا عن أثر إحباطها: كارثة جوية تقتل أعدادًا كبيرة من الإسرائيليين خارج البلاد كانت ستضع الأمن في صدارة المشهد السياسي بصورة أكثر حدة، وتزيد الضغط الشعبي على الحكومة لاتخاذ إجراءات أوسع ضد مصادر التهديد، كما كانت ستمنحها مبررًا أقوى لتوسيع تعريف "الجبهة" بحيث لا تقتصر على غزة أو لبنان أو سوريا، بل تشمل أيضًا حماية الإسرائيليين والمصالح الإسرائيلية في الخارج.
وهذا كله كان سيصب في خانة مصالح رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، وكان من المرجح أن يكسبه دعمًا وصلاحيات مطلقة لاتخاذ القرارات التي يريد، والتي كانت ستشمل بطبيعة الحال جنونًا أكبر في الرد العسكري على أهداف ومناطق يراها أساسية لكسب معركته السياسية الداخلية. كما كان سيمنح الحكومة أساسًا أقوى لتشديد الإجراءات الأمنية والاستخباراتية. كما كان سيخلق بيئة سياسية أكثر تقبلًا لإجراءات استثنائية، باعتبار أن الخطر لم يعد محصورًا في ساحات القتال، وإنما أصبح قادرًا على الوصول إلى الإسرائيليين أينما كانوا. وهذا هو الرابط الأهم بين الحادثة والسياسة: كلما انتقل التهديد من اعتداءات متفرقة إلى عمليات قادرة على إيقاع خسائر جماعية في الخارج، ازدادت قدرة الأمن على إعادة تشكيل المجال السياسي والعسكري. ومن هذه الزاوية، فإن أهمية حادثة "فلاي دبي" لا تتحدد فقط بمنفذها أو بدوافعه، بل بما قد تكشفه عن اتجاه أوسع للصراع: انتقاله تدريجيًا من ساحاته العسكرية التقليدية إلى فضاء عالمي يصعب التحكم به أو التنبؤ بما يحمله من مفاجآت، خصوصًا في ظل الموجة الجديدة التي بدأت تظهر ضد المسؤولين الإسرائيليين في أكثر من قارة في العالم، وفي دول غالبًا ما تعتبر "حليفة" لإسرائيل.
فهل حان الوقت لقرع جرس الإنذار لدى المسؤولين الإسرائيليين لتغيير نمط تصرفاتهم، أم أن الأمر سيكون مجرد حادث عابر في انتظار ما ستحمله التطورات في الأشهر المقبلة؟





















































