لم يعد النقاش حول قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها محصورًا في كيفية إعادة هيكلة قطاع يعيش أزمته منذ عام 2019. فالطعن الذي تقدم به رئيس الجمهورية ​جوزاف عون​ بالمادة الثالثة أعاد إلى الواجهة سؤالًا أكثر حساسية: من يملك الكلمة الأخيرة عندما يصبح مصرف ما غير قابل للحياة، ومن يستطيع أن يقرر إعادة رسملته أو دمجه أو نقل أصوله أو تصفيته؟

فالمادة الثالثة تحدد الأهداف العامة للنظام الجديد لمعالجة أوضاع المصارف، من إنشاء إطار يتوافق مع المعايير الدولية إلى التعامل مع المؤسسات المتعثرة وضمان استمرارية وظائفها الأساسية وحماية الودائع والحد من استخدام المال العام لإنقاذ المصارف المتعثرة. لكن العقدة لا تكمن فقط في ما تتضمنه المادة، بل في ما حُذف منها.

المادة 70 في قلب الخلاف

خلال درس القانون في لجنة المال والموازنة، أُدخلت صياغة تشير إلى ضرورة مراعاة أحكام ​قانون النقد والتسليف​، وخصوصًا المادة 70 منه. إلا أن هذه الإشارة لم تبقَ في الصيغة التي أُقرت في الهيئة العامة، لتصبح اليوم في صلب النقاش الذي أعقب الطعن.

وفي هذا السياق، يشرح الخبير المالي ​فرنسوا باشا​ لـ"النشرة" أن أهمية المادة 70 تأتي من كونها تمنح ​مصرف لبنان​ مهمات واسعة تشمل الحفاظ على النقد والمساهمة في الاستقرار الاقتصادي والمحافظة على سلامة النظام المصرفي، وبالتالي تشكل أحد المرتكزات القانونية لصلاحيات المصرف المركزي حيال المصارف.

لكن بالنسبة إلى باشا، القضية تتجاوز مجرد الإشارة إلى مادة قانونية. ويقول: "استقلالية المصرف المركزي ضرورية، لكن تركيز السلطات من دون ضوابط وتوازنات كافية ليس كذلك"، مشيرًا إلى أن مصرف لبنان لم يكن تاريخيًا مسؤولًا عن السياسة النقدية فقط، بل احتل أيضًا موقعًا مركزيًا في ​تنظيم القطاع المصرفي​ والإشراف عليه وفرض العقوبات.

وهنا تحديدًا تظهر العقدة التي قد ترسم شكل المرحلة المقبلة: كيف يمكن الحفاظ على ​صلاحيات مصرف لبنان​ من جهة، وفي الوقت نفسه ضمان ألا تتحول هذه الصلاحيات إلى قدرة على تعطيل قرارات الجهة المكلفة ب​معالجة المصارف​ المتعثرة من جهة أخرى؟

من يقرر أن المصرف لم يعد قابلًا للحياة؟

بالنسبة إلى باشا، السؤال الجوهري ليس نظريًا: "من ستكون له الكلمة الأخيرة عندما يجب إعلان مصرف غير قابل للاستمرار؟ ومن يستطيع أن يقرر إعادة رسملته أو دمجه أو نقل أصوله أو تصفيته؟".

فإذا أصبحت جهتان قادرتين على الاستناد إلى صلاحيات متداخلة في القرار نفسه، قد تتحول إعادة الهيكلة إلى نزاعات متلاحقة حول الاختصاص.

ويحذر باشا من سيناريو يستطيع فيه مصرف أُعلن غير قابل للحياة الاعتراض على القرار مستندًا إلى صلاحيات المجلس المركزي لمصرف لبنان أو ​الهيئة المصرفية العليا​ أو أحكام أخرى في قانون النقد والتسليف. عندها، بدل أن تكون هناك آلية سريعة لمعالجة المصرف، قد تدخل العملية في سلسلة من الطعون والنزاعات القانونية.

ومن هنا، يعتبر أن المطلوب ليس إضعاف مصرف لبنان، بل "تنظيم فصل واضح للسلطات بدل خلق منافسة بين سلطتين".

ويختصر المعادلة بالقول: "الاستقلالية لا يجب أن تعني غياب الرقابة، والإشراف لا يجب أن يعني حق النقض على معالجة المصارف".

تجربة الماضي حاضرة

ولا يفصل باشا النقاش الحالي عن تجربة العقود الماضية، إذ يشير إلى أن البنية السابقة جمعت لدى مصرف لبنان مجموعة واسعة من الصلاحيات، في وقت يرأس فيه الحاكم أيضًا الهيئة المصرفية العليا التي تتمتع بصلاحيات عقابية قد تصل إلى سحب ترخيص مصرف.

ويرى أن تجربة السنوات الماضية أثبتت الحاجة إلى بناء مؤسسات لا تعتمد سلامتها على الشخص الموجود على رأسها، أيًا يكن.

ويقول في هذا الإطار إن النقاش لا ينبغي أن يتحول إلى نقاش حول الحاكم الحالي ​كريم سعيد​، لأن القانون الذي يوضع اليوم يفترض أن يبقى صالحًا مع الحكام الذين سيأتون بعد عشر أو عشرين أو ثلاثين سنة.

ويضيف: "لا يجب أن نعيد بناء نظام يعتمد على نوعية رجل واحد، بل نظامًا قادرًا على الصمود أمام احتمال إخفاق هذا الرجل".

خلف القانون قراءة سياسية أيضًا

لكن النقاش لا يخلو من بعد سياسي. فباشا يلفت إلى أن تعيين كريم سعيد حاكمًا لمصرف لبنان حظي بدعم الرئيس جوزاف عون، بينما كان رئيس الحكومة ​نواف سلام​ قد أعلن أنه لم يكن مرشحه، وشدد على ضرورة التزام الحاكم ب​السياسة المالية​ للحكومة ومسار التفاوض مع صندوق النقد وإعادة هيكلة القطاع.

إلا أن باشا يحاذر تحويل هذه المعطيات إلى اتهامات، معتبرًا أن وجود تقارب في بعض المواقف لا يسمح بالاستنتاج أن الرئاسة تتحرك لمصلحة المصارف أو أن حاكم مصرف لبنان يسعى إلى منع إعادة الهيكلة.

وبحسب مصادر متابعة للملف، فإن حساسية المسألة تكمن في ضرورة الوصول إلى صيغة لا تضع سلطة معالجة المصارف في مواجهة مصرف لبنان، ولا تجعل أيًا منهما قادرًا على تعطيل الآخر في الملفات التي يمنحه القانون صلاحية البت بها.

الاختبار في النتيجة

لذلك، لن يكون الاختبار الحقيقي للطعن في الجدل القانوني الذي أثاره، بل في الصيغة التي ستخرج في نهاية المسار.

فإذا أدى إلى توضيح حدود صلاحيات مصرف لبنان والجهة المسؤولة عن معالجة المصارف، من دون تعطيل القدرة على اتخاذ قرار حاسم بشأن مصرف متعثر، يكون قد ساهم في تحصين القانون.

أما إذا انتهى الأمر إلى آلية تمنح حق نقض فعليًا على قرارات معالجة المصارف غير القابلة للحياة، فستعود المشكلة إلى نقطة البداية.

وبعد سنوات من أزمة مصرفية لم تُحسم نتائجها حتى اليوم، يصبح السؤال أبسط من كل التفاصيل القانونية: عندما يتبين أن مصرفًا لم يعد قادرًا على الاستمرار، هل ستكون هناك جهة تستطيع اتخاذ القرار وتنفيذه، أم تبدأ عندها معركة جديدة حول من يملك القرار؟

لأن قانونًا لمعالجة المصارف لا يستطيع في النهاية معالجة مصرف متعثر، وهو لن يكون أكثر من إطار قانوني بلا أدوات تنفيذ.