قبل 3 سنوات، نفذت حركة "حماس" عملية "طوفان الأقصى"، التي قادت إلى تحولات كبرى لا تزال مستمرة على مستوى المنطقة، على وقع مجموعة من الحروب التي بادرت إليها إسرائيل على أكثر من جبهة.
في خضم هذا المشهد، لا تزال الكثير من الأسئلة دون القدرة على الحسم في إجاباتها. إلا أن الأكيد يبقى أن السابع من تشرين الأول 2023 كان محطة مفصلية، ستمتد تداعياتها لسنوات، لا سيما أنها تلعب دورًا رئيسيًا في تشكيل النظام الإقليمي الجديد الذي لم تُحسم معالمه بعد.
إسرائيل تغيرت
في هذا السياق، قد يكون العنوان الأبرز هو التحول الذي حصل في العقلية الاستراتيجية الإسرائيلية، والذي قد يكون المحرك الأساسي لحجم التحدي الذي فُرض عليها نتيجة هذه العملية.
في الماضي، كان الكثيرون يجزمون بأن وجود أسرى يمنع تل أبيب من الذهاب إلى عملية عسكرية موسعة، الأمر الذي كان على الأرجح حاضرًا في ذهن قيادة "حماس" التي قررت تنفيذ "طوفان الأقصى"، بالرغم من أن الوثائق التي سربتها إسرائيل لاحقًا توحي بغير ذلك.
كما كانت هناك قناعة بأن تل أبيب لا تذهب إلى حرب متعددة الجبهات أو طويلة الأمد، وهو أمر سقط أيضًا، حيث العمليات العسكرية تشمل فلسطين ولبنان وسوريا واليمن وإيران معًا، وليس هناك ما يمنعها من الذهاب إلى ساحات أخرى متى وجدت مصلحة في ذلك.
على مستوى العقيدة الأمنية، بات من الواضح أن إسرائيل، بالإضافة إلى التركيز على معادلة المناطق العازلة في الدول المجاورة، تعتبر أن هناك ضرورة للاستمرار في الحرب حتى النهاية في جميع الساحات، بدليل تكرار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الحديث عن حتمية إسقاط النظام في طهران.
تراجع النفوذ الإيراني
من بين النقاط التي تستحق التوقف عندها، أن إسرائيل باتت تعتمد استراتيجية وحدة الساحات، التي كان يهدد بها المحور المقابل. ولذلك كان العنوان الرئيسي، في لحظة الإعلان عن انتهاء عدوان أيلول 2024 على لبنان، التهديد الذي وجهه نتنياهو إلى الرئيس السوري السابق بشار الأسد، الذي انطلقت بعده العمليات العسكرية التي قادت إلى التحول الكبير في سوريا.
هذا التحول هو الذي ساهم، أكثر من غيره، في ترسيخ معادلات جديدة في المنطقة، نظرًا إلى أنه كرّس تراجع النفوذ الإيراني في المشرق العربي. فبعد الضربات العسكرية التي تلقتها "حماس" في غزة و"حزب الله" في لبنان، كان من الطبيعي القول إن محاولات إعادة بناء القوة لن تكون سهلة، لا سيما أن القيادة الجديدة في دمشق تُصنف معادية لطهران.
على الرغم من ذلك، لم تركن تل أبيب إلى التبدل على مستوى النظام في سوريا، بل سارعت إلى فرض أمر واقع تستفيد منه على المدى الطويل. فهي لم تعد تطمئن إلى التحولات التي تحصل من جهات لا تسيطر عليها بشكل كامل، بل تريد أن تفرض أمنها بالقوة الذاتية، من خلال منطق المناطق العازلة التي أكدت، أكثر من مرة، أنها أحد الدروس المستخلصة من "طوفان الأقصى".
المسار التراجعي للنفوذ الإيراني تأكد أكثر من خلال المبادرة إلى مهاجمتها في مناسبتين: الأولى في الحرب التي شنتها إسرائيل وحدها، أما الثانية فهي التي تشاركت فيها مع الولايات المتحدة، بالرغم من أن الأخيرة أظهرت قدرة طهران على فرض معادلات مهمة في الخليج، لكنها لم تؤد إلى تبدل الوضع في المشرق العربي.
مشهد إقليمي معقد
حتى الآن، لم تتضح الصورة التي ستكون عليها المنطقة في السنوات المقبلة، نظرًا إلى أنها لا تزال ضمن مشهد معقد جدًا، لا يمكن أن يتبلور قبل وضوح المشهد في إيران بالتحديد. حيث العلاقات الأميركية–الإيرانية، التي تمر بمرحلة من المراوحة، لا تزال تتأرجح بين العودة إلى طاولة المفاوضات أو إلى المواجهات العسكرية الشاملة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل بروز صراع الأحلاف الإقليمية، الذي من الممكن الإشارة إليه عبر حلف "مكة"، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، بالإضافة إلى الحلف الذي تسعى إسرائيل إلى تكريسه ويضم اليونان وقبرص. مع العلم أن كل حلف منهما من الممكن أن يتوسع أكثر بانضمام دول أخرى إليه، بينما المنطلقات الخاصة بكل منهما لا تقتصر على التهديدات العسكرية، بل تشمل أيضًا الصراع على النفوذين السياسي والعسكري.
بالتزامن، لا تزال إيران حاضرة في المشهد، فهي لم تخسر كل أوراق قوتها، بل تملك القدرة على التأثير في أكثر من ساحة إقليمية، وتستطيع أن تستخدم أي منها في حال العودة إلى الحرب الشاملة من جديد، كما تستطيع الاستفادة منها في أي مفاوضات دبلوماسية، من أجل الحفاظ على نفوذها السياسي.
الأجندة اليمينية في إسرائيل
في خضم كل هذه التحولات، يبقى السؤال عما إذا كانت "طوفان الأقصى" الهدية التي كان ينتظرها اليمين الإسرائيلي، انطلاقًا من التسريبات المتعددة التي تشير إلى أن نتنياهو نفسه تجاهل تحذيرات كان قد تلقاها قبل تنفيذها، ثم عمد لاحقًا إلى استثمارها لتنفيذ أجندة جاهزة، قادت إلى تحويله من رئيس وزراء مهدد بالسجن إلى "قائد" نجح في تحقيق "إنجازات" في أكثر من ساحة.
في الوقت الراهن، يسعى نتنياهو إلى استثمار هذه "الإنجازات" في انتخابات الكنيست، الأمر الذي يدفعه إلى الاستمرار في التشديد على أن المهمة لم تنته بعد، بل قد يقوده إلى شن حرب جديدة في الفترة الفاصلة عن فتح صناديق الاقتراع. أما الأهم، فهو أنه، حتى ولو خسر الانتخابات الحالية، فرض معادلات على خصومه لن يكون من السهل على أي منهم التراجع عنها، في ظل التحول الذي حصل على مستوى العقلية الإسرائيلية.






















































