قبل يوم من إحياء ​مصر​ ذكرى "​حرب أكتوبر​"، قال وزير المالية ال​إسرائيل​ي ​بتسلئيل سموتريتش​ إنه إذا هاجمت مصر إسرائيل "فلن تكون هناك سيناء". قد يبدو التصريح مجرد تهديد صادر عن أحد أكثر الأصوات تشددًا في الحكومة الإسرائيلية، لكن توقيته يطرح سؤالًا أكبر من صاحبه: هل تحوّل التفوق العسكري الإسرائيلي من أداة لحماية الحدود إلى وسيلة لإعادة تشكيلها؟ وهل بات "الغرور" الإسرائيلي أكبر من أن يتم استيعابه؟

لا يمكن تجاهل السياق الذي جاء فيه هذا الموقف. فمن ​لبنان​ و​سوريا​ إلى ​غزة​ و​الضفة الغربية​، لم تعد فكرة "المنطقة الأمنية" إجراء مؤقتًا. هناك وجود عسكري إسرائيلي مستمر، وتصريحات عن البقاء والضم، ووقائع استيطانية تتوسع على الأرض. وبالتالي، لم يعد الموضوع ما إذا وضعت إسرائيل خطة معلنة لضم المنطقة كلها، بل رفعها سقف ما تعتبره ممكنًا سياسيًا وعسكريًا بصورة واضحة.

ولكن، إزاء هذا الوضع، يجب التمييز بين الرغبة والقدرة. لا شك أن إسرائيل تملك القدرة على فرض وقائع ميدانية في ظروف معينة، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة على تحويل كل مكسب عسكري إلى واقع سياسي دائم. فالسيطرة على مساحة شيء، والاحتفاظ بها سنوات طويلة في مواجهة المقاومة والضغط الدولي والخسائر البشرية والتكاليف الاقتصادية والعسكرية، شيء آخر. وكلما اتسعت المساحات التي تحاول إسرائيل الاحتفاظ بها، اتسعت معها دائرة الخصوم المحتملين.

تظهر هذه المشكلة بأوضح صورة في سوريا، التي باتت أشبه بحقل اختبار للتوتر بين إسرائيل و​تركيا​ (العضو في ​الناتو​ والقوة الإقليمية الكبرى) التي تريد أيضًا التأثير في مستقبل سوريا وترفض أن تصبح إسرائيل صاحبة القرار الأمني فيها. وما الغارات والرسائل العسكرية التي شهدتها الأراضي السورية، سوى دليل واضح على أن التنافس بين البلدين لم يعد نظريًا. الخطر هنا ليس قرارًا تركيًا أو إسرائيليًا بحرب شاملة، وإنما أن تؤدي سلسلة من الاحتكاكات إلى مواجهة لا يريدها الفريقان، وتجربة ​إيران​ تزيد المسألة تعقيدًا.

صحيح أن إسرائيل خرجت من هذه المحنة بثقة أكبر بقدرتها على مواجهة دولة إقليمية كبيرة، لكن هذه الثقة يمكن أن تقود إلى استنتاج أكثر خطورة: ضرورة ضرب القوى الصاعدة قبل أن تصبح تهديدًا أكبر. الفارق الأساسي في الصورة الحالية هو أن تركيا ليست إيران، فهي عضو في الناتو، وتتمتع بحلف مع ​الولايات المتحدة​، ولذلك ستكون واشنطن أمام معضلة مختلفة جذريًا إذا تحول الاحتكاك إلى حرب، ولن تكون الأمور بالبساطة نفسها التي اتخذت فيها واشنطن قرار شن الحرب على إيران.

وبالانتقال إلى مصر، تبدو المعادلة هنا أشد حساسية. فسيناء ليست مجرد أرض حدودية، بل رمز لـ"حرب أكتوبر" ولأحد أهم التحولات في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي. واستحضارها في الخطاب الإسرائيلي عشية ذكرى الحرب ليس بريئًا، بل يحمل دلالة تتجاوز التهديد العسكري المباشر، حتى وإن لم يكن هناك دليل على نية إسرائيل شن حرب ضد مصر، التي تبقى حتى الآن شريكًا استراتيجيًا مهمًا لواشنطن، ما يجعل أي مواجهة مصرية–إسرائيلية ذات تكلفة إقليمية ودولية هائلة.

كما لا يمكن إغفال العامل الثالث البالغ الأهمية في هذه المقاربة، أي الداخل الإسرائيلي. فهناك قوى سياسية ترى في السيطرة على الأراضي وتوسيع المناطق الأمنية أهدافًا سياسية لا مجرد إجراءات عسكرية. وفي المقابل، قد يدفع الخوف من حرب طويلة ومكلفة القيادة الإسرائيلية إلى ضبط اندفاعها. لذلك، لا يبدو السيناريو الأقرب حربًا إسرائيلية شاملة ضد مصر أو تركيا، بل استمرارًا تدريجيًا لتثبيت وقائع جديدة في غزة والضفة ولبنان وسوريا، ومحاولة تحويل بعضها إلى ترتيبات طويلة الأمد، مع التنبه إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في أن يؤدي هذا المسار إلى احتكاك مع تركيا أو مصر يتجاوز قدرة الفريقين على الاحتواء.

بعد التطورات التي شهدتها المنطقة، باتت إسرائيل أكثر استعدادًا لاختبار حدود القوة. والسؤال المرتقب في المرحلة المقبلة لا يتناول قدرة إسرائيل على التوسع بقدر ما سيكون عن مدى هذا التوسع قبل أن تصطدم بحدود قوتها نفسها، وبتركيا ومصر، وبالحد الذي تستطيع الولايات المتحدة تحمله.

لذلك، ستكون مراقبة سوريا حكيمة، كونها المكان الأرجح للإجابة على هذا السؤال.