في هذا التوقيت، سيكون من الصعب قراءة زيارة الرئيس السوري ​أحمد الشرع​ إلى الرياض من زاوية العلاقات الثنائية السورية–السعودية فقط، ولا حتى من باب حاجة دمشق إلى الاستثمارات وأموال إعادة الإعمار. فهي تأتي في لحظة إقليمية مشتعلة بالنسبة إلى السعودية وسوريا معًا، وفي وقت تتقاطع فيه أمام دمشق ملفات ​إسرائيل​ ولبنان و​حزب الله​ و​تركيا​، فيما تواجه الرياض انتقال المواجهة مع الحوثيين إلى مستوى أكثر مباشرة مع وصول الصواريخ والمسيّرات إلى العمق السعودي.

حضر لقاء بن سلمان والشرع وزير الدفاع السعودي ​خالد بن سلمان​، إلى جانب وزير الخارجية ​فيصل بن فرحان​ ومستشار الأمن الوطني ​مساعد العيبان​، وهذا ما أعطى اللقاء بعدًا سياسيًا وأمنيًا يتجاوز الملفات الاقتصادية التي ركز عليها الجانب السوري في الإعلان عن نتائج الزيارة، من إعادة الإعمار إلى الاستثمارات في الطاقة والبناء والصناعة والزراعة والتجارة.

بحسب ما أُعلن، لا توجد معلومات تسمح بالقول إن ملف ​اليمن​ أو الحوثيين كان بندًا مباشرًا على جدول الأعمال. ولكن أهمية التوقيت تكمن في البيئة الإقليمية التي حصل فيها اللقاء أكثر مما تكمن في معلومات غير معلنة عن مضمونه. وبحسب مصادر متابعة، فإن دمشق تنظر إلى السعودية باعتبارها شريكًا تحتاج إليه في المرحلة المقبلة على مستويين متوازيين: الأول اقتصادي يرتبط بإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات، والثاني سياسي يتعلق بتثبيت موقع سوريا داخل النظام العربي الجديد وعدم ترك علاقتها الإقليمية محصورة بالمظلة التركية، خصوصًا أن الملفات التي تواجهها القيادة السورية الجديدة أكبر من أن تُدار بعلاقة مع فريق إقليمي واحد.

هذا الأمر يظهر بصورة أوضح في الملف الإسرائيلي. فالشرع سبق أن تحدث عن تقدم كبير تحقق في المفاوضات حول اتفاق أمني قبل تعثر المسار. وبالتالي، فإن دمشق، حتى لو عادت المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين، تحتاج إلى غطاء عربي وإلى دول قادرة على توفير الدعم السياسي والاقتصادي لأي ترتيبات يمكن أن تنتج عن هذه المفاوضات، خصوصًا في الجنوب السوري. مشيرة إلى أنه لا توجد معطيات تؤكد أن العلاقة مع إسرائيل كانت بندًا مباشرًا في لقاء الرياض، لكن من الصعب فصل مستقبل سوريا الإقليمي عن هذا الملف.

أما النقطة الأكثر ارتباطًا بلبنان فتأتي من مسار آخر ظهر قبل أيام، بعدما تحدثت رويترز عن لقاء بين مسؤولين سوريين وممثلين عن حزب الله في تركيا بوساطة تركية، وهو ما نفته دمشق وأنقرة. وبصرف النظر عن التناقض بين التقرير والنفي الرسمي، فإن مجرد ظهور هذا الملف يعكس وجود مشكلة فعلية تحتاج إلى معالجة بين سوريا الجديدة وحزب الله، من الحدود وتهريب السلاح إلى طبيعة العلاقة السياسية والأمنية بين الفريقين.

وهنا تطرح المصادر عبر "النشرة" سؤالًا حول ما إذا كان الشرع قد وضع القيادة السعودية في أجواء علاقته بحزب الله والتحرك التركي في هذا الاتجاه. خصوصًا أن أي تفاهم سوري–لبناني أو سوري–حزب الله لن يبقى منفصلًا عن التوازنات الإقليمية، وأن الرياض معنية بموقع سوريا الجديد وبحدود الدور الإيراني فيها، كما أن تركيا تحاول تثبيت نفسها باعتبارها اللاعب الأكثر قدرة على إدارة الملفات الأمنية والسياسية المحيطة بدمشق.

لا يعني ذلك، بحسب المصادر، وجود مسار سعودي–تركي مشترك تجاه حزب الله، ولا توجد حتى الآن معلومات تسمح بالحديث عن وساطة سعودية في هذا الملف.

من هنا يمكن فهم زيارة الرياض باعتبارها جزءًا من محاولة أوسع يقوم بها الشرع لتثبيت سوريا داخل شبكة علاقات عربية وإقليمية تسمح له بهامش أكبر في التعامل مع الملفات الصعبة المقبلة.