قبل ثلاث سنوات، فتح "حزب الله" جبهة الجنوب إسنادًا لغزة، في الثامن من تشرين الأول 2023، من دون قرار صادر عن مجلس الوزراء، وذلك بعد يوم واحد من عملية "طوفان الأقصى" التي غيّرت وجه المنطقة، لكن بالاتجاه المعاكس لما كان يروّج له محور المقاومة.
يومها، انقسم اللبنانيون حول جدوى الخطوة ومخاطرها، قبل أن تتّسع المواجهة وتصبح تداعياتها أكبر من قدرة لبنان على احتوائها. واليوم، تحلّ الذكرى فيما تتخذ الدولة قرارات لحصر السلاح وتقود مسار التفاوض، لكنّ حقها في حسم هذه الخيارات لا يزال موضع نزاع سياسي.
وتكتسب المناسبة دلالة إضافية بعد الموقف الذي أعلنه الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، خلال حفل إطلاق مؤسسة حفظ ونشر تراث السيد حسن نصرالله. فقد أدرج حصر السلاح ضمن الملفات الداخلية التي يبدي الحزب استعدادًا للتعاون بشأنها وفق الدستور والقوانين، مع رفض الإملاءات الخارجية والتمسّك بالمقاومة في مواجهة العدوان.
يستحقّ مثل هذا الموقف القراءة، من دون تضخيمه لحدّ اعتباره موافقة على خطوات لم يعلنها، أو إسقاط دلالته لمجرد استمرار الخلاف مع السلطة. فبين قرار فتح الجبهة والاستعداد المعلن لبحث حصر السلاح، تبدو المسافة السياسية واسعة. لكنّ قياس التغيير يحتاج إلى النظر في كيفية التعامل مع قرارات المؤسسات، خصوصًا عندما تخالف إرادة الطرف المعني بتنفيذها.
فهل تغيّرت خلال هذه السنوات الجهة القادرة على فرض قرارها، أم تغيّرت القواعد التي يُتخذ على أساسها القرار أصلًا؟
قرارٌ تتجاوز نتائجه أصحابه
قد يبدو تقييم قرار فتح جبهة الإسناد متأخرًا، بعد كلّ التطورات الدراماتيكية التي شهدتها السنوات الثلاث الماضية، والتي كانت "ذروتها" اغتيال الزعيم التاريخي لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، حدث يرى كثيرون أنّه لم يشكّل "الزلزال" الذي كان متوقّعًا، ربما بالنظر إلى السياق الذي جاء فيه، لكنّ الأكيد أنّه شكّل "ضربة قاضية" لولاها، لتغيّرت الكثير من التكتيكات.
وإذا كان صحيحًا أنّ هناك من "تحمّس" عاطفيًا لفتح الجبهة في ذلك اليوم، ومن برّره بما اعتبره موجبات أخلاقية، فإنّ المشكلة الأساسية في القرار تبقى في أنّ الجهة التي اتخذته وضعت اللبنانيين أمام مواجهة لم تشارك مؤسساتهم في إقرارها، فيما امتدت تداعياتها إلى أمنهم ومساكنهم وأعمالهم ومستقبلهم، بصرف النظر عن موقفهم السياسي منها.
هنا ظهر الخلل بين امتلاك سلطة القرار وتحمل المسؤولية عنه، من دون أن يعني ذلك إعفاء إسرائيل من مسؤوليتها عن الاعتداءات واستهداف المدنيين والتدمير. فاللبناني الذي يناقش حسابات الحرب ووسائل حماية بلده يمارس حقًا سياسيًا، ولا يقدّم بذلك تبريرًا لإسرائيل أو يعفيها من جرائمها. أما وضع كل مراجعة داخلية في خانة استهداف المقاومة، فيُبقي القرارات الكبرى محصّنة من السؤال حتى بعدما تظهر نتائجها.
بهذا المعنى، يتجاوز درس 8 تشرين الأول الخلاف على تقدير عسكري أصاب أو أخطأ، ليصل إلى الطريقة التي تُحدَّد بها مصلحة لبنان. فالتأييد الشعبي الذي يتمتع به حزب يمنحه وزنًا في صياغة السياسة الوطنية، لكنه لا يحلّ محل التفويض المؤسسي لاتخاذ قرار تتجاوز كلفته جمهوره. وهذه مسألة تبقى قائمة حتى لو اختلف تقييم النتائج، لأن صلاحية الانفراد بالقرار لا تُكتسب بأثر رجعي من نجاحه.
تغيّر الموازين لا يحسم المرجعية
خلال هذه السنوات، تغيّر المشهد السياسي اللبناني، وانتقل النقاش الرسمي إلى خطوات لحصر السلاح بيد القوى الشرعية، فيما مضت السلطة في مسار تفاوضي يعارضه "حزب الله". وبذلك، لم يعد الخلاف محصورًا في تقييم الماضي، وصار يتناول قرارات تتخذها الدولة وكيفية التعامل معها عندما تتعارض مع خيارات الحزب.
هكذا، أظهرت جلسات حصر السلاح في آب 2025 أن تحولًا فعليًا طرأ على موازين القوى داخل السلطة. ففي جلسة 5 آب، كلّف مجلس الوزراء الجيش إعداد خطة لحصر السلاح بيد الدولة، رغم انسحاب وزراء "حزب الله" و"حركة أمل". وفي اليوم التالي، أعلن الحزب رفض القرار والتعامل معه كأنه غير موجود، معتبرًا أن الحكومة ارتكبت "خطيئة كبرى". وتكرر المشهد في 5 أيلول، عندما انسحب الوزراء الشيعة مع عرض قائد الجيش خطة التنفيذ. يومها، رحّبت الحكومة بالخطة، وربطت تنفيذها بالإمكانات المتاحة، فيما اعتبر وزير العمل محمد حيدر أن القرارات المتخذة بغياب المكوّن الشيعي باطلة.
غير أنّ تقدّم مؤسسات الدولة إلى الواجهة لا يعني تلقائيًا أن مرجعيتها أصبحت محسومة، إذ يمكن أن يصدر قرار حكومي وتبقى القدرة على تنفيذه موضع نزاع، أو أن يوافق طرف على الاحتكام إلى المؤسسات حين تنسجم قراراتها مع مصالحه، ثم يعترض على أهليتها للحسم عندما تتغير النتائج. عندها، تبقى المؤسسة خاضعة لموازين القوى التي يُفترض أن تنظّم العلاقة بينها.
لذلك، لا يكفي أن تتراجع قدرة طرف على فرض خياراته للقول إن الدولة استعادت قرارها.
الأكيد هو أن الموازين تغيّرت، فيما لم تتغير قواعد الممارسة السياسية بعد على نحو مستقر. والمقصود هنا ليس النصوص الدستورية، وإنما استمرار ربط إلزامية القرار بموافقة القوى القادرة على تعطيله. بمعنى آخر، انتقل الملف إلى طاولة المؤسسات، لكنّ أهليتها للحسم بقيت جزءًا من النزاع، بدل أن تكون المرجعية التي يُحسم النزاع من خلالها.
من رفض القرار إلى قبول البحث
في هذا السياق، تكتسب إحالة قاسم إلى الدستور أهمية تتجاوز العبارة نفسها. هنا، تساعد المقارنة بين موقفي قاسم في أيار وتشرين الأول على تحديد مقدار التغيير، وحدوده أيضًا. ففي كلمته عشية عيد المقاومة والتحرير في أيار الماضي، اعتبر حصرية السلاح في تلك المرحلة مشروعًا إسرائيليًا ودعا إلى التراجع عنها، ووجّه انتقادات حادة إلى الحكومة، وصولًا إلى مطالبتها بالرحيل إذا كانت عاجزة عن صون السيادة.
أما في 6 تشرين الأول، فوضع حصر السلاح ضمن قضايا الداخل القابلة للتعاون وفق الأطر الدستورية، إلى جانب الاقتصاد والوظائف والعيش المشترك وأموال المودعين، وأعلن الاستعداد للتعاون الداخلي. لكنه تمسّك أيضًا باستمرار المقاومة مع استمرار العدوان، ورفض تقديم تنازلات مقابل الانسحاب الإسرائيلي، من دون تحديد آلية عملية لمعالجة الخلاف على السلاح.
وتظهر هنا العقدة التي لم تُحل: هل يهدف التعاون إلى الاتفاق على كيفية تنفيذ حصرية السلاح وضمانات هذا التنفيذ، أم إلى إعادة فتح أصل القرار وإخضاعه لموافقة جديدة؟ في الحالة الأولى، يصبح الحوار وسيلة لمعالجة المخاوف والصعوبات العملية. وفي الثانية، يبقى القرار معلقًا على رضا الجهة التي يطالها، وتعود الحكومة إلى التفاوض على صلاحية سبق أن مارستها.
فالمادة 65 تنيط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء، وتنظّم اتخاذ قراراته بالتوافق، وعند تعذّره بالتصويت، مع اشتراط موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها على المواضيع الأساسية، ومنها الحرب والسلم. وهذا يعني أن الدستور يضع آلية لإدارة الخلاف، إلى جانب سعيه إلى التوافق. أما الاختبار السياسي فهو قبول هذه الآلية عندما تأتي نتائجها مخالفة لإرادة طرف، مع احتفاظه بحق المعارضة والمساءلة بالوسائل الدستورية.
الدولة أمام امتحان الحماية
في المقابل، لا تستطيع السلطة أن تكتفي بصحة مرجعيتها الدستورية لإقناع المواطنين بفاعلية خياراتها. فاستمرار الاعتداءات والاحتلال يطرح أسئلة مباشرة عن الحماية والانسحاب والعودة، ويمنح المعترضين على مسارها مادة يومية للتشكيك في نتائجه. ومن ينتظر العودة إلى منزله يحتاج إلى ما هو أكثر من تأكيد أن القرار بات في المكان الصحيح.
لا يعني ذلك اشتراط قدرة الدولة على منع كل اعتداء حتى يُعترف بسلطتها، فهذا يمنح إسرائيل عمليًا القدرة على تعطيل بناء المؤسسات بمجرد استمرارها في الهجوم. لكنه يعني أن استعادة القرار تفرض على الحكومة شرح ما تفعله، وتحديد أهداف قابلة للمتابعة، ومصارحة اللبنانيين بما تحقق وما تعثّر وأسباب التعثر، ومطالبة الجهات الراعية بتحمّل مسؤولياتها.
ويصبح دعم الجيش وتأمين مقومات بقائه وانتشاره جزءًا من صدقية الخيار السياسي نفسه. فكل فجوة بين المهمات المطلوبة والإمكانات المتاحة تُضعف ثقة الناس بالبديل الذي تعرضه الدولة. وهذه مسؤولية داخلية وخارجية معًا، من دون أن تتحول صعوبتها إلى حجة لإبقاء قرار استخدام القوة موزعًا بين مرجعيات متنافسة.
متى تتغير القواعد؟
بعد ثلاث سنوات على 8 تشرين الأول، تغيّرت موازين القوى بما أتاح للمؤسسات اتخاذ قرارات في السلاح والتفاوض، لكن قواعد الممارسة لم تستقرّ على قبولها مرجعًا نهائيًا. فالخلاف ما زال يتناول حقها في الحسم، إلى جانب مضمون ما تقرّره. وهذا يعني أن الدولة استعادت مساحة من المبادرة، فيما بقيت قدرتها على إلزام الأطراف بقراراتها موضع نزاع.
انتقل القرار إلى المؤسسات، لكنه لم يستقرّ فيها بعد، في وقت يفتح كلام الشيخ قاسم الأخير مجالًا لاختبار ما إذا كان الاستعداد للبحث سيقود إلى تفاهم على التنفيذ، أم سيُبقي أصل القرار معلّقًا على موافقة الحزب.
في المقابل، تُختبر خيارات الحكومة بقدرتها على انتزاع وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، واستكمال انتشار الجيش وتأمين عودة الأهالي. وحتى الآن، تقدّمت المؤسسات في اتخاذ القرار أكثر مما تقدّمت في فرض تنفيذه؛ وهذه هي حدود التغيير الذي شهده لبنان بعد ثلاث سنوات.























































