بين الحين والآخر، تجد السلطة الانتقالية في سوريا نفسها أمام مطالبات للعب أدوار عسكرية خارج الحدود. فقبل فترة قصيرة، جاء حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن أدوار من الممكن أن تقوم بها في نزع سلاح "حزب الله" في لبنان، أما اليوم فتظهر التسريبات التي تشير إلى إمكانية إرسالها مقاتلين من أجل المشاركة في الحرب ضد حركة "أنصار الله" اليمنية.
في الحالة اللبنانية، طُرحت الكثير من الأسباب التي تحول دون ذلك، أبرزها التداعيات التي من الممكن أن تترتب على الواقع الإقليمي، بالإضافة إلى عدم موافقة الجانب التركي، الداعم الأول لهذه السلطة، انطلاقًا من أن إسرائيل ستكون المستفيد الأول من أي مواجهة بين دمشق و"حزب الله". بينما في الحالة اليمنية، يتعزز البحث في هذه المسألة من منطلقين: الأول هو مشاركة السعودية في حرب تعتبرها مفصلية، أما الثاني فهو أن تركيا أحد أعضاء تحالف "مكة"، الذي قررت الدول الأعضاء، في الأيام الماضية، تفعيله نتيجة التطورات على الساحة اليمنية.
على الرغم من ذلك، كانت دمشق قد سارعت إلى نفي التقارير التي تحدثت عن احتمال إرسالها مقاتلين إلى اليمن، مؤكدة أن سياستها ترتكز على "الاستقرار والسلام والتعاون لا على فتح جبهات جديدة". إلا أن هذا النفي لا يحول دون طرح الكثير من علامات الاستفهام حول أسباب تكرار الحديث عن مثل هذا التوجه، في ظل واقع إقليمي متفجر من الممكن أن تتصاعد فيه المواجهات على أكثر من جبهة في أي لحظة.
في هذا السياق، تشير مصادر متابعة، عبر "النشرة"، إلى أن السلطة الانتقالية في دمشق تدرك جيدًا أنها لا تمتلك القدرة على الدخول في أي مواجهة عسكرية خارجية، خصوصًا أنها تواجه مجموعة واسعة من التحديات على المستوى الداخلي، التي لا تتوقف فقط عند الواقع المعيشي في ظل تأثرها كغيرها من الدول الأخرى بالأوضاع القائمة على الصعيد العالمي نتيجة الحرب على إيران، بل تشمل أيضًا هشاشة الوضع الأمني الداخلي بشكل رئيسي.
هنا، توضح هذه المصادر أن سوريا، بالإضافة إلى التحديات المرتبطة بالأطماع الإسرائيلية في الجنوب، حيث تظهر تل أبيب كل يوم رغبة في التوسع أكثر في المناطق التي تحتلها، لديها أولويات تكمن في السعي إلى ترسيخ الاستقرار الداخلي، خصوصًا في ظل استمرار خطر الخلايا المرتبطة بتنظيم "داعش" الإرهابي، إلى جانب التحركات التي تقوم بها مجموعات أخرى. بينما هي لم تنه حتى الآن عملية بناء أجهزتها الأمنية والعسكرية، وبالتالي من الصعب أن تذهب إلى نقل جزء من قوتها إلى الخارج، لأن ذلك سيعني فتح الباب أمام المزيد من الخروقات في الداخل.
انطلاقًا من ذلك، يكون من الطبيعي القول إن دمشق لا تملك القدرة على إرسال مقاتلين من أجل المشاركة في الحرب اليمنية، ما يؤكد مسارعتها إلى نفي مثل هذا التوجه بشكل رسمي. لكن في المقابل، هناك قراءة مختلفة لواقع هذه السلطة الانتقالية، تقوم بشكل رئيسي على قاعدة أنها تعتمد على معادلة الشرعية الخارجية أكثر من الداخلية.
في هذا المجال، تلفت مصادر أخرى، عبر "النشرة"، إلى أن دمشق، في حال طُلب منها إرسال مقاتلين إلى اليمن، لا تستطيع أن ترفض، نظرًا إلى أنها تحتاج إلى الدعم المالي السعودي بشكل كبير لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية على المستوى الداخلي. خصوصًا إذا ما حصل هذا الطلب بدعم من الجانب التركي، لا سيما بعد الأنباء التي كانت قد تحدثت، في الأسابيع الماضية، عن تراجع المساعدات التي كانت تحصل عليها.
من وجهة نظر هذه المصادر، لا يعني ما تقدّم أن سوريا ستكون، في حال وافقت على إرسال مقاتلين، مضطرة إلى الإعلان عن ذلك بشكل رسمي، بل من الممكن أن يحصل الأمر بشكل سري. بل قد لا يكون بغطاء مباشر من السلطة الانتقالية نفسها، كمثل مشاركة فصائل منها في زمن النظام السابق في الحرب الليبية. لكنها تلفت إلى أن ذلك سيكون مرتبطًا بالحاجة الفعلية إلى ذلك، التي لا ترى في الوقت الراهن أنها ماسة.
في المحصلة، ترى المصادر نفسها أن هناك نقطة أخرى لا ينبغي تجاهلها عند البحث في مثل هذا الاحتمال، تكمن في أن القوى الإقليمية الداعمة للسلطة الانتقالية في دمشق ليست في وارد القيام بـ"مغامرة"، قد تؤثر على ما تعتبره إنجازات نجحت في تحقيقها على الساحة السورية. وبالتالي تفضل أن ينحصر تركيزها على تعزيز قوتها في الداخل.






















































