يأتي تذكار القدّيس توما الرّسول في الكنيسة في السادس من تشرين الأوّل من كل عام، ويُسمّى الأحد الأوّل بعد الفصح «أحد توما».

صحيحٌ أنّ توما لم يكتب إنجيلًا، لكنّه كان إنجيلًا حيًّا بكلّ ما للكلمة من معنى. وقد وصلت كرازته بالإنجيل إلى بلاد فارس والهند، حيث له حضورٌ كبير في هاتين المنطقتين. وهناك صليبٌ يُعرَف باسمه، هو «​صليب القدّيس توما​»، وإن لم يكن هو مَن ابتكره. ويتميّز هذا الصليب بأطرافه التي تنتهي بزخارف نباتيّة أو حبّيبيّة، كما نرى حمامةً فوقه، في إشارة إلى الرّوح القدس. ويبدو الصليب كأنّه ينبثق من زهرة اللوتس أو من شجرة الحياة. ويُرجَّح أنّ أقدم نقشٍ هذا الصليب يعود إلى القرنَين السابع والثامن الميلاديَّين.

أيقونوغرافيًّا، نشاهد توما الرّسول في مشهدين رئيسيَّين: بمفرده، وفي المشهد الشهير الذي يظهر فيه الربّ ​يسوع​ ​المسيح​ له بعد القيامة، والمعروف باسم «جسّ توما».

كذلك، نراه في مشاهد إيقونوغرافيّة أخرى، مثل ​العشاء السرّي​، و​غسل الأرجل​، والصعود، و​العنصرة​. وفي بعض أيقونات رقاد والدة الإله، نراها تعطيه زنّارها.

يظهر توما الرّسول في الأيقونات شابًّا، بشعر قصير ومن دون لحية، مرتديًا الثياب التقليديّة للرسل، وهي القميص والرداء الخارجي. وعندما يُصوَّر بمفرده، نراه يحمل لفافةً ترمز إلى رسالته التبشيريّة، ويبارك بيده اليمنى باسم المسيح.

أمّا حادثة توما، فقصدت الكنيسة أن تدعوها، وفق الترجمة الحرفيّة «جسّ توما Ἡ ψηλάφησις τοῦ Θωμᾶ»، أي جَسُّ توما لجراح المسيح، أو لَمْسُه جراحَ الربّ يسوع.

لم تُسمِّها الكنيسة «شكّ توما»، لكي لا نتوقّف عند ضعف الإنسانيّة، بل نعبر إلى تدبير الربّ الخلاصي القياميّ، الذي يشمل توما ويشملنا جميعًا. فيسوع يرتضي أن ينزل إلى مستوى كلّ واحد منّا ليخلّصنا، وما علينا إلّا أن نطلب حضوره بصدق.

لم يمثّل ​توما الرسول​ نفسه فحسب، بل مثّل كثيرين أيضًا. ولا ننسى أنّ التلاميذ، الذين كانوا مختبئين خوفًا من اليهود، لم يصدّقوا حاملات الطيب عندما أخبرنّهم أنّهن ذهبن إلى القبر، فوجدن الحجر مدحرجًا، وأنّ شابَّين ظهرا لهنّ وأخبراهنّ بأنّ يسوع قد قام. وقد بدا كلامهنّ للتلاميذ كالهذيان، فلم يصدّقوهنّ (لوقا 24: 11).

كان توما شجاعًا وصريحًا، إذ أفصح عمّا يختلج في قلبه. فالمشكلة، إذًا، ليست في صراحة توما، بل على العكس تمامًا، في أن نخفي ما نفكّر فيه وما نشعر به.

فالربّ يحبّ الصادقين. وموقف توما هو دعوةٌ لنا جميعًا إلى المصارحة مع الربّ، لأنّ يسوع إلهٌ حيّ وشخصيّ، يخاطبنا وجهًا لوجه.

وعندما أخبر الرسل توما بأنّهم رأوا الربّ، أجابهم علانيةً ومن دون أيّ تردّد: «إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لَا أُومِنْ» (يوحنّا 20: 25). قد يبدو كلام توما للرسل مرفوضًا، فكيف لا يصدّقهم، ولا سيّما أنّه رأى في وجوههم فرح القيامة وقوّتها، وأنّهم لم يعودوا خائفين؟ أمّا بالنسبة إلى الربّ، فالأمر مختلف تمامًا؛ إذ تحوّل طلب توما إلى طلب خلاص لتوما يبدّد فيه شكوكه، ويقوده إلى فرح ​القيامة المجيدة​.

​​​​​​​وهكذا كان. فظهر الربّ للتلاميذ مرّةً ثانية بعد ثمانية أيّام، ودخل والأبواب مغلقة إلى حيث كان التلاميذ مجتمعين، وكان توما بينهم. وخاطبه قائلًا: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلَا تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا». عندها أطلق توما صرخته الشهيرة: «رَبِّي وَإِلَهِي!» (يوحنّا 20: 28).

أوّلًا: ما قاله توما يُضاف إلى الإعلانات التي يُعلَن فيها أنّ يسوع هو الربّ الإله.

ثانيًا: إنّها صرخة كلّ مؤمن حقيقيّ يقيم علاقةً مباشرةً مع يسوع.

ثالثًا: ليس لنا ربّ آخر ولا إله آخر.

رابعًا: نصلّي على رجاء أن تكتشف المسكونة جمعاء حقيقة يسوع، فتطلق الصرخة نفسها: «ربّي وإلهي.!»

خامسًا: إنّها صرخة تعزية وفرح وقوّة، توازي في عمقها صرخة ​الإيمان​ والرّجاء: «المسيح قام!».

عودةً إلى الفنّ الإيقونوغرافيّ الكنسيّ، نجد عاجيّةً تعود إلى القرن الخامس الميلاديّ، محفوظةً في ​المتحف البريطاني​ّ، نرى فيها الربّ يسوع واقفًا في وسط التلاميذ، كاشفًا عن جرحه في جنبه، حيث طُعِنَ، فيما يتحسّس توما الرسول الجرحَ بإصبعه.

أعطِنا، يا ربّ، أن نعيش فرح قيامتك المجيدة، مهما كانت الظروف.

إلى الربّ نطلب.