ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عودة خدمة قداس عيد رؤساء الملائكة في كنيسة رئيسي الملائكة ميخائيل وجبرائيل – المزرعة بحضور حشد من المؤمنين.
بعد قراءة الإنجيل المقدس، ألقى المطران عودة عظة جاء فيها: "بِاسْمِ الآبِ والإبْنِ والرُّوحِ القُدُسِ، آمين.تَحْتَفِلُ كَنيسَتُنا اليَوْمَ بِتَذْكارِ رُؤَساءِ المَلائِكَةِ وَالقُوَّاتِ السَّماوِيَّةِ غَيْرِ المُتَجَسِّدَة، فَتَدْعونا إلى رَفْعِ أَنْظارِنا مِنْ ضَجيجِ الأَرْضِ إلى مَجْدِ السَّماء، وَمِنِ اضْطِرابِ العالَمِ إلى سَلامِ الله، الَّذي لا يَغْلِبُهُ شَرٌّ وَلا يَحُدُّهُ مَوْت. في هَذا اليَوْمِ المُبارَكِ، تَضَعُ الكَنيسَةُ أَمامَنا أيضًا أُعجوبَتَيْ إِقامَةِ إِبْنَةِ يايْرُس وَشِفاءِ المَرْأَةِ النَّازِفَة، إلى جانِبِ كَلِماتِ الرَّسولِ بولُسَ عَنِ المَسيحِ الَّذي تَأَلَّمَ وَكابَدَ المَوْتَ مِنْ أَجْلِنا، لِكَيْ نَكْتَشِفَ أَنَّ السَّماءَ لَيْسَتْ بَعِيدَةً عَنْ أَوْجاعِنا، وَأَنَّ اللهَ لا يَقِفُ مُتَفَرِّجًا على دُموعِ الإِنْسانِ، بَلْ يَدْخُلُ إلى عُمْقِ حَياتِهِ لِيَمْنَحَها مَعْنًى وَرَجاءً وَخَلاصًا".
أضاف: "يُحَدِّثُنا الإِنْجيلُ عَنْ يايْرُس، رَئيسِ المَجْمَع، الَّذي جاءَ إلى الرَّبِّ وَخرَّ عِنْدَ قَدَمَيْهِ، مُتَوَسِّلًا إِلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَه، لأَنَّ إِبْنَتَهُ الوَحيدَةَ، الَّتي كانَتْ في الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِها، على وَشَكِ المَوْت. رَجُلٌ لَهُ مَكانَتُهُ الإِجْتِماعِيَّةُ يَقِفُ عاجِزًا أَمامَ مَرَضِ إِبْنَتِه، فَلا تَنْفَعُهُ مَكانَتُهُ وَلا سُلْطَتُه، وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْتَرِي الحَياةَ بِمالِهِ أَوْ أَنْ يَمْنَعَ المَوْتَ بِقُوَّتِه. إِنَّهُ الإِنْسانُ في حَقِيقَتِهِ، إِذْ مَهْما امْتَلَكَ مِنْ مَعْرِفَةٍ أَوْ نُفوذٍ أَوْ ثَرْوَةٍ، يَبْقَى مُحْتاجًا إلى اللهِ حِينَ تَقِفُ الحَياةُ أَمامَ حُدودِها المُؤْلِمَة. في طَريقِهِ إلى بَيْتِ يايْرُس، تَقْتَرِبُ مِنْ يسوع إِمْرَأَةٌ تُعاني نَزْفَ دَمٍ مُنْذُ إِثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. لَقَدْ أَنْفَقَتْ كُلَّ مَعِيشَتِها على الأَطِبَّاء، وَلَمْ تَجِدْ الشِّفاء. كانَتْ تَحْمِلُ في جَسَدِها مَرَضًا، وَفي نَفْسِها تَعَبَ سَنَواتٍ طَوِيلَةٍ، وَفي قَلْبِها شُعورًا بِالعُزْلَةِ وَاليَأْس. لَكِنَّها لَمْ تَفْقُدِ الرَّجاءَ، بَلِ اقْتَرَبَتْ مِنَ المَسيحِ وَلَمَسَتْ هُدْبَ ثَوْبِهِ، فَوَقَفَ نَزْفُ دَمِها حالًا. لَمْ يَكْتَفِ الرَّبُّ بِأَنْ يَشْفِي جَسَدَها، بَلْ أَرادَ أَنْ يَرُدَّ لها كَرامَتَها أَيْضًا، فَأَظْهَرَ إِيمانَها أَمامَ الجَميعِ وَناداها: "يا ابْنَةُ، إِيمانُكِ أَبْرَأَكِ، فَاذْهَبِي بِسَلامٍ".
وتابع عودة: "كَمْ يَحْتاجُ إِنْسانُ اليَوْم إلى سَماعِ هَذِهِ الكَلِمات! فَفي عالَمٍ يَبْدو فيهِ أَنَّ لِكُلِّ مُشْكلَةٍ حَلًّا، وَأَنَّ النَّجاحَ يُقاسُ بِما نَمْلِكُ، وَأَنَّ خلاصَ الإنسانِ في قُوَّتِهِ وَسُلْطَتِهِ وَمالِهِ، يُعَلِّمُنا الإِنْجيلُ أَنَّ الإِنْسانَ لا يُخْتَزَلُ بِمالِهِ وَسُلْطَتِهِ وَلا بِمَرَضِهِ أَوْ فَشَلِهِ أَوْ خَسارَتِه، وَأَنَّ اللهَ يَرى ما لا يَراهُ النَّاس. قَدْ يَخْتَبِئُ وَجَعُنا خَلْفَ إِبْتِسامَةٍ، وَقَدْ نَخوضُ مَعارِكَ لا يَعْرِفُ أَحَدٌ عَنْها شَيْئًا، وَقَدْ لا نَمْلُكُ ثَرْوَةً أو مَرْكَزًا مَرْموقًا في عَيْنَيّ الناسِ لَكِنَّنا لَسْنا مَجْهولِينَ أَمامَ الرَّبّ. الإِيمانُ لَيْسَ إِنْكارًا لِلوَجَعِ، وَلا تَظاهُرًا بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ على ما يُرام، بَلْ هُوَ أَنْ نَفْتَحَ القلبَ للمَسيحِ، وَنَمُدَّ لَهُ اليَدَ حَتّى حِينَما لا يَبْقَى فيها شَيْءٌ، وَنَلْمُسَ هُدْبَ ثَوْبِهِ كَما فَعَلَتْ المَرْأَةُ النازِفَةُ الدَمِ، وَمَهْما اشْتَدَّ المَرَضُ أوْ عَظُمَتْ المِحْنَةُ يَبْقى المَسيحُ مَصْدَرَ الشِّفاءِ وَمُعْطي الحَياة. فيما كانَ الرَّبُّ يَتَكَلَّمُ، جاءَ مِنْ بَيْتِ رَئيسِ المَجْمَعِ مَنْ يُخْبِرُهُ بِأَنَّ إِبْنَتَهُ قَدْ ماتَتْ، وَأنْ لا يُتْعِبَ المُعَلِّم. هُنا، يَبْلُغُ الأَلَمُ ذُرْوَتَهُ. لَكِنَّ الرَّبَّ يَلْتَفِتُ إلى يايْرُس مُطَمْئِنًا "لا تَخَفْ، آمِنْ فَقَطْ فَتَبْرَأ هِيَ". إِنَّهُ نِداءٌ يَتَجاوَزُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ لِيَصِلَ إِلَيْنا اليَوْم، فَلا نَتْرُكُ الخَوْفَ يُكَبِّلُنا، وَلا نَسْمَحُ لِليَأْسِ بِأَنْ يَدْخُلَ حَياتَنا عِوَضَ أنْ نَلْتَجِئَ إلى اللهِ وَنُصْغي إلى كَلِمَتِهِ. هذا لا يَعْني أَنَّ كُلَّ مَرَضٍ سَيُشْفَى بِالطَّرِيقَةِ الَّتي نَتَمَنَّاها، أَوْ أَنَّ كُلَّ صَلاةٍ سَتُسْتَجابُ وِفْقَ تَوقِيتِنا، بَلْ يَعْني أَنَّ المَسِيحَ حاضِرٌ، وَأَنَّ المَوْتَ لَيْسَ المَحَطَّةَ الأَخيرَةَ في حَياةِ الإِنْسانِ الَّذي يَتَّحِدُ بِه".
وقال: "الرَّبُّ الَّذي غَلَبَ المَوْتَ بِقِيامَتِهِ، فاتِحًا لِلبَشَرِيَّةِ بابَ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ، عِنْدَما دَخَلَ بَيْتَ يايروس أَمْسَكَ بِيَدِ الفَتاةِ "وَنادى قائلاً يا صَبِيَّةُ قومي، فَرَجَعَتْ روحُها وَقامَتْ". هذا يَكْشِفُ سُلْطانَ المَسيحِ على المَوْت. يَقولُ الرَّسولُ بُولُس في رِسالَةِ اليَوْم "لأنَّهُ لاقَ بِالذي كُلُّ شَيْءٍ لِأجْلِهِ وَكُلُّ شَيْءٍ بِهِ وَقَدْ أوْرَدَ إلى المَجْدِ أبْناءً كَثيرين، أنْ يَجْعَلَ رَئيسَ خَلاصِهِمْ بِالآلامِ كامِلاً". المَسيحُ لَمْ يُخَلِّصْنا مِنْ بَعِيدٍ، بَلْ دَخَلَ إلى ضُعْفِنا، وَاتَّخَذَ طَبيعَتَنا البَشَرِيَّةَ، وَذاقَ المَوْتَ بِالجَسَدِ، لِيَكْسِرَ سُلْطانَهُ وَيُحَرِّرَ الَّذينَ كانوا خاضِعِينَ لَهُ. لَمْ يُلْغِ الصَّليبُ الأَلَمَ، بَلْ حَوَّلَهُ إلى طَريقِ عُبورٍ نَحْوَ القِيامَة؛ وَلَمْ يَمْنَعِ الدُّموعَ، بَلْ أَعْطاها رَجاءً يَتَجاوَزُ القَبْرَ".
أضاف: "نُعَيِّدُ اليَوْمَ لِرُؤَساءِ المَلائِكَةِ، وَعلى رَأْسِهِمْ مِيخائِيلُ وَجِبْرائِيلُ، مَعَ سائِرِ القُوّاتِ المَلائِكِيَّة. المَلائِكَةُ، بِحَسَبِ الكِتابِ المُقَدَّس، أَرْواحٌ خادِمَةٌ تُرْسَلُ لأَجْلِ الَّذِينَ سَيَرِثُونَ الخَلاص. يُعْلِنُ إِسْمُ مِيخائيل: "مَنْ مِثْلَ الله؟"، فَيُذَكِّرُنا بِأَلَّا قُوَّةَ في السَّماءِ أَوْ على الأَرْضِ تُضاهي سُلْطانَ الخالِق. أَمّا جِبْرائيلُ الَّذي بَشَّرَ العَذْراءَ مَرْيَمَ بِالتَّجَسُّدِ الإِلَهِيِّ، فَيَشْهَدُ بِأَنَّ تَدْبيرَ اللهِ يَتَجاوَزُ حِساباتِ البَشَرِ وَتَوَقُّعاتِهِم. تُظْهِرُ لَنا الكَنِيسَةُ في المَلائِكَةِ طاعَةً لله، وَنَقاوَةً في الخِدْمَة، وَثَباتًا في العِبادَة، حتَّى لا نَنْشَغِلَ بِالبَحْثِ عَنْ عَجائِبَ غامِضَةٍ، بَلْ لِكَي نَجْعَلَ حَياتَنا شَهادَةً لِمَجْدِ الله".
وأردف: "إِنَّ تَكْريمَ المَلائِكَةِ لا يَعْنِي أنّنا نَعْبُدُهم، أوْ نَطْلُبُ مِنْهُمْ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا الله. نَحْنُ نُكَرِّمُهُمْ بِوَصْفِهِمْ خُدَّامَ مَشِيئَتِهِ، وَنَقْتَدِي بِطاعَتِهِمْ وَتَواضُعِهِمْ وَأَمانَتِهِم. فَبَيْنَما يَسْعى إِنْسانُ اليَوْم إلى أَنْ يَصْنَعَ لِنَفْسِهِ مَجْدًا، تُعَلِّمُنا القُوَّاتُ السَّماوِيَّةُ أَنَّ العَظَمَةَ الحَقِيقِيَّةَ هِيَ في الوُقوفِ أَمامَ الله، وَفي خِدْمَتِهِ بِمَحَبَّةٍ، وَفي مُقاوَمَةِ الشَّرِّ لا بِالعُنْفِ وَالكِبْرِياء، بَلْ بِالحَقِّ وَالصَّلاةِ وَالقَداسَة. وَكَما لا يَنْفَصِلُ ذِكْرُ المَلائِكَةِ عَنْ تَسْبيحِهِمِ الدَّائِمِ لله، يَنْبَغِي أَلَّا يَنْفَصِلَ إِيمانُنا عَنِ العِبادَةِ الَّتي تَتَحَوَّلُ إلى رَحْمَةٍ وَمَحَبَّةٍ في حَياتِنا اليَوْمِيَّة. كَذَلِكَ نُعَيِّدُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ لِلرَّسولِ كوارتُس، أَحَدِ السَّبْعينَ رَسولًا، الَّذي بَشَّرَ بَيْروتَ وَخَدَمَها كَالمَلائِكَةِ، وَكان أوّلَ أساقِفَتِها. لَمْ يَبْتَغِ مَجْدًا أَرْضِيًّا، بَلْ اكْتَمَلَ فَرَحُهُ عِنْدَما أَوْصَلَ أَبْناءَ هَذِهِ المَدينَةِ إلى الرَّبّ. فَهَلْ ما زالوا مَعَ الرَبِّ أَمْ تَرَكوهُ سَعْيًا وَراءَ هَذِهِ الأَرْضِ وَما فيها مِنْ إِغْراءاتٍ وَسَعادَةٍ وَقْتِيَّة؟ الرَّسولُ كوارتُس أَرادَ بَيْروتَ عَروسًا نَقِيَّةً لِلخالِق، لَكِنَّ المَناصِبَ والمَصالِحَ وَالأَحْزابَ وَالمُحاصَصاتِ تُشَرْذِمُها، مِنْ أجْلِ خِدْمَةِ الذَّاتِ لا لِمَجْدِ الله، وَعِنْدَما يَغيبُ اللهُ عَنْ أَمْرٍ يُصْبِحُ هَذا الأَمْرُ فَخًّا شَيْطانِيًّا".
وختم عودة: "لَعَلَّ بَعْضَنا يُشْبِهُ يايْرُس، بإيمانِهِ الصادِق، وَلَعَلَّ بَعْضَنا يَحْمِلُ، كَالمَرْأَةَ النَّازِفَةَ، جُرْحًا خَفِيًّا أَنْهَكَ قِواه لَكِنَّهُ لَمْ يَفْقُدْ الرَجاءَ، وَلَعَلَّ آخَرِينَ يَشْعُرونَ بِأَنَّ بابًا قَدْ أُغْلِقَ نِهائِيًّا في وُجوهِهِم، إِلَّا أَنَّ المَسيحَ يَقولُ لِلجَميعِ: "لا تَخافوا، آمِنوا فَقَط". فَلْنَقْتَرِبْ مِنْهُ بِإيمانِ المَرْأَةِ، وَرَجاءِ يايْرُس، وَلْنَرْفَعْ قُلوبَنا مَعَ المَلائِكَةِ في تَسْبِيحٍ لا يَنْقَطِعُ، وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ الإِيمانَ لَيْسَ ضَمانًا لِحَياةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الأَلَم، بَلْ ثِقَةٌ بِأَنَّنا لَسْنا وَحْدَنا في الأَلَم، وَأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ أَقْوى مِنَ الخَطيئَةِ وَاليَأْسِ وَالمَوْت، آمين".






















































