يسعى الأوروبيون إلى حجز مكان لهم في لبنان، لذلك لا يمكن فصل اندفاعة الاتحاد الأوروبي نحو إنشاء بعثة أمنية جديدة في لبنان عن التحولات التي أصابت التوازنات الدولية في المنطقة. إذ إن المسألة، بحسب كل المؤشرات، تتجاوز تقديم التدريب والمساعدة للجيش اللبناني إلى محاولة أوروبية للحفاظ على موقع في صياغة الترتيبات الأمنية المقبلة، بعدما بات واضحًا أن الولايات المتحدة تريد الإمساك بالمسار التفاوضي مع إسرائيل، فيما يقترب الوجود العسكري الدولي في الجنوب من مرحلة انتهاء وجود اليونيفيل جنوبًا.
الاتحاد الأوروبي، الذي يستعد لاتخاذ قرار إنشاء بعثته الجديدة إلى لبنان في الثاني عشر من تشرين الأول، يتحرك من حسابات تتصل بأمن المتوسط وحدوده الشرقية. إذ تنظر العواصم الأوروبية إلى استقرار لبنان بوصفه عاملًا مؤثرًا في حركة النزوح والهجرة، وأمن الملاحة، واستقرار سوريا، ومنع تحول الساحل الشرقي للمتوسط إلى مساحة اضطراب مستدام، إلى جانب الملف الاقتصادي بطبيعة الحال.
من هنا، فإن الاستثمار في الجيش اللبناني يشكل بالنسبة إلى الأوروبيين وسيلة لتعزيز قدرة الدولة على ضبط حدودها، وفي الوقت نفسه الحفاظ على حضور أوروبي مباشر في مؤسسة ستؤدي دورًا محوريًا في أي تسوية مقبلة.
واللافت، بحسب مصادر سياسية مطلعة، أن البعثة المطروحة ليست قوة قتالية أو بديلًا لليونيفيل، بل مهمة استشارية وتدريبية تشمل الجيش وقوى الأمن الداخلي، وتمتد إلى مراقبة الحدود والأمن البحري والسيطرة على الأراضي. وقد خصص الاتحاد الأوروبي منذ عام 2022 نحو 182 مليون يورو لدعم الجيش، بينها مئة مليون أُقرت في حزيران الماضي، فيما أعلن حزمة مساعدات للبنان تبلغ مليار يورو ضمن مراحل تمتد حتى عام 2027. هذه الأرقام تعكس محاولة بناء شراكة أمنية طويلة الأمد لضمان النفوذ.
لكن خلف هذا المسار تكمن معضلة أوروبية أساسية، تقول المصادر عبر "النشرة". ففرنسا وإيطاليا، اللتان تشكلان ركيزتين أساسيتين في الوجود الدولي جنوبًا، لا تريدان خسارة نفوذهما الميداني والسياسي مع انتهاء مهمة اليونيفيل، بينما لا يبدو أن الاتحاد الأوروبي مستعد لتحمل مسؤولية انتشار عسكري واسع في منطقة تستمر فيها العمليات الإسرائيلية. لذلك يجري الفصل بين مسارين: الأول بعثة أوروبية لدعم المؤسسات اللبنانية، والثاني بحث مستقل عن صيغة دولية لمراقبة الجنوب، قد تكون تحت مظلة الأمم المتحدة أو من خلال ترتيبات أخرى لم تتبلور بعد.
أما لبنان، فمصلحته بحسب المصادر لا تختصر بالحصول على التدريب والتجهيز، على أهميتهما، بل بالحفاظ على مرجعية دولية تستطيع توثيق الخروقات الإسرائيلية، ومواكبة الانسحاب، ومراقبة تنفيذ الالتزامات المتبادلة وضمان بقاء الحدود الدولية. مشيرة إلى أن وجود بعثة أوروبية تعمل مع الجيش داخل الأراضي اللبنانية لا يعوّض غياب قوة دولية تتمتع بتفويض واضح على الحدود، خصوصًا إذا بقيت إسرائيل تحتفظ بمواقع عسكرية وتنفذ عمليات داخل الأراضي اللبنانية.
وهنا تبرز أهمية تمسك لبنان بالمظلة الأممية، فقرار مجلس الأمن 2790 لم يكتفِ بتحديد نهاية عمليات اليونيفيل في كانون الأول المقبل، بل طالب إسرائيل بالانسحاب من المواقع التي تحتلها وإزالة المناطق العازلة، بالتوازي مع بسط سلطة الدولة اللبنانية. وبالتالي، فإن استبدال القوة الدولية ببعثة تدريبية فقط قد يؤدي عمليًا إلى انتقال مسؤوليات إضافية إلى الجيش من دون وجود آلية دولية موازية لمساءلة إسرائيل عن التزاماتها.
كذلك تتوقف المصادر عند طبيعة الصلاحيات التي سيحصل عليها الأوروبيون، ومدى ارتباط مهمتهم بترتيبات الجنوب. فبيروت تستطيع الاستفادة من الرغبة الأوروبية في الحفاظ على دورها الإقليمي للحصول على دعم عسكري ومالي وتقني مستدام، لكنها تحتاج أيضًا إلى تحويل هذا الاهتمام إلى ضمانات سياسية وأمنية تتصل بالانسحاب الإسرائيلي وحماية السكان وعودة الأهالي.























































