يتصاعد الحديث في الآونة الأخيرة عن مخاوف من حرب ​إسرائيل​ية على ​لبنان​ بعد انتهاء مهام ​القوات الدولية​ في الجنوب "​اليونيفيل​". في الواقع، ترتكز أسباب هذه المخاوف على مسألة أكبر من مغادرة قوات دولية للأراضي اللبنانية، وتصل إلى طبيعة المرحلة التي يجري فيها الانسحاب، وغياب ضمانات واضحة بشأن الجهة التي ستتولى مراقبة الحدود والتحقق من الالتزامات المتبادلة. فقد أظهرت الحروب الأخيرة أن وجود "اليونيفيل" لم يمنع اندلاع المواجهات، ولم يوقف ​الانتهاكات​، ولم يفرض تنفيذ ​القرار 1701​. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: ما قيمة المراقبة إذا لم تقترن بآليات فعالة للمساءلة؟

أثبتت التجربة محدودية قدرة القوات الدولية على التأثير في مجريات الحرب، خصوصًا عندما أصبحت مواقعها عرضة للاستهداف وتقيّدت حركتها الميدانية. ولم تكن القوة الأممية مخوّلة نزع سلاح ​حزب الله​ بالقوة أو مواجهة الجيش الإسرائيلي عسكريًا، لكن حدود تفويضها لا تلغي مسؤولية المجتمع الدولي عن إخفاقه في تحويل القرارات والتقارير إلى نتائج ملموسة. فالتوثيق لا يوازي التنفيذ، والقرارات الدولية تفقد فعاليتها عندما يصبح احترامها مرتبطًا بموازين القوى ومصالح الدول. اعتاد اللبنانيون على وجود هذه القوات كعنصر اطمئنان نفسي أكثر منه خطوة عملية، والكلام عن بديل دونه عوائق سياسية ولوجستية وعملية. والأهم أنه، في حال حصوله، سيكون امتدادًا لمهمة امتدت لعقود من دون أن توقف المواجهات والحروب ونتائجها المأساوية.

وفي خضم هذا الحديث، تكتسب ​فرنسا​ أهمية خاصة بسبب علاقاتها التاريخية بلبنان، ومكافحتها للاحتفاظ بدور سياسي فيه خصوصًا وفي المنطقة بشكل عام، فضلًا عن علاقاتها الصناعية والعسكرية بإسرائيل. وهنا تبرز مفارقة تستحق المساءلة: كيف تدافع باريس عن سيادة لبنان والقانون الدولي، بينما استمرت صادراتها من المعدات والمكونات العسكرية إلى إسرائيل خلال الحرب، ما أدى إلى انتقادات فرنسية كبيرة بشأن طبيعتها واستخداماتها المحتملة؟ قد لا تكون فرنسا المصدر العسكري الرئيسي لإسرائيل، إذ تبقى ​الولايات المتحدة​ هي المورد الأبرز، لكن المسؤولية لا تقاس بحجم التجارة فقط، بل بطبيعة المعدات ومخاطر استخدامها ومدى التزام الدولة المصدرة بواجباتها القانونية. هذا التناقض يضع مصداقية ​السياسة الفرنسية​ على المحك، كما أنه لم يكسبها الود الإسرائيلي. فلا يكفي تبنّي خطاب حقوقي إذا لم يترافق مع رقابة صارمة على الصادرات العسكرية، كما لا يمكن فصل المصالح الصناعية عن المسؤولية القانونية والأخلاقية.

في المقابل، فإن ​العلاقات التجارية​ لا تعني، على ما يبدو، توافقًا سياسيًا. فقبول إسرائيل بالتعاون الصناعي مع فرنسا لم يلغ التحفظ على دور فرنسي مستقل في صياغة الترتيبات الأمنية في لبنان. ويمكن فهم ذلك في ضوء رغبة ​تل أبيب​ في الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية وتقليص القيود الخارجية على قراراتها الميدانية، وعلى سيطرتها (المباشرة أو غير المباشرة) على مساحات لبنانية لا يحق لها أن تسيطر عليها في الأصل.

هناك إجماع على أن الخطر الحقيقي ليس انتهاء مهمة "اليونيفيل"، بل حصول الانسحاب قبل توفر آلية بديلة ذات صلاحيات واضحة، قادرة على التحقق من الانتهاكات ورفع تقارير مستقلة وربطها بإجراءات فعلية، وحتى الوقوف في وجهها، ومساندة الجيش اللبناني في القيام بمهامه وفرض سيطرته الميدانية والدفاع عن الحدود، بالتوازي مع احترام إسرائيل سيادة لبنان والانسحاب من أراضيه ووقف الاعتداءات. فلا يجوز أن تتحول الالتزامات الدولية إلى مطالب أحادية يتم فرضها على الفريق الأضعف، فيما تبقى الالتزامات المقابلة رهينة التوازنات السياسية والعسكرية. أما فرنسا، فعليها أن تثبت أن دورها في لبنان منسجم مع سياستها في تصدير السلاح ومع التزاماتها الدولية.

ما يحتاجه لبنان فعليًا ليس شاهدًا إضافيًا على الانتهاكات، بل نظامًا يجعل توثيق الاعتداءات والانتهاكات أساسًا للمساءلة. من هنا، لا يعزز خروج القوات الدولية فرص الحرب كما أنه لا يقلل منها، فإسرائيل تتصرف وفق مصالحها وأهوائها شاء من شاء وأبى من أبى. واستمرار القيود نفسها على أي قوة دولية أخرى، مهما كانت التسمية، لن يساعد على حل المشكلة. المطلوب تغيير المعادلة التي سمحت باستمرار الانتهاكات من دون نتائج رادعة، وإلا بقي الأمن اللبناني خاضعًا لموازين القوة، وسيف الحرب مسلطًا على اللبنانيين بشكل دائم.