منذ ما قبل زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى واشنطن، كان من الواضح أن الإدارة الأميركية ليست في وارد التساهل مع الملف اللبناني بأي شكل من الأشكال. وهو أمر تكرر من خلال تبني وجهة النظر الإسرائيلية، لناحية ربط أي خطوات في مسار الانسحاب من الأراضي المحتلة بما قد تقوم به بيروت ضمن مسار نزع سلاح "حزب الله". بالرغم من أن الجانب اللبناني الرسمي كان قد أكد، في أكثر من مناسبة، أن عدم التزام تل أبيب هو الذي يحول دون التقدم في تطبيق الاتفاق الإطاري الذي تم برعاية أميركية.
العودة إلى هذه النقطة ضرورية، من أجل تفسير الاهتمام الذي تبديه وزارة الخارجية الأميركية اليوم بأي تفصيل يتعلق بهذا الملف، تحديدًا في الشق المتعلق بأي خطوة يقوم بها "حزب الله". حيث كان لافتًا مبادرة الوزارة، عند تسريب معلومات عن تلقي الحزب أموالًا من طهران لدعم المتضررين من الحرب، إلى التعليق بشكل رسمي عليها، ثم لاحقًا التعليق على إحالة شكوى مقدمة ضد السفيرة في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض إلى القضاء العسكري.
بالنسبة إلى مصادر سياسية متابعة، هذا السلوك يؤكد أن واشنطن، بالرغم من انشغالها في العديد من الملفات الملتهبة على مستوى المنطقة، ليست في وارد التراجع عن سياسة التدقيق في أي خطوة على الساحة المحلية. بل على العكس، هي في صدد تشديد رقابتها بشكل أكبر في المرحلة المقبلة، من خلال الضغط على السلطة الرسمية، بهدف دفعها إلى المزيد من الإجراءات الخاصة بالتعامل مع "حزب الله"، بغض النظر عن التداعيات التي من الممكن أن تترتب.
هنا، تعود هذه المصادر، عبر "النشرة"، إلى اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة بوزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، خلال الزيارة إلى الولايات المتحدة المذكورة في الأعلى. حيث تشير إلى أن بيسنت كان واضحًا في التشديد على ضرورة اتخاذ خطوات حاسمة لـ"تعطيل الشبكات المالية التابعة لإيران وحزب الله". لتلفت إلى أنه من هذا المنطلق من الممكن فهم الاهتمام الذي تبديه الخارجية الأميركية بمسألة التعويضات المعلن عنها من قبل الحزب.
ما تقدّم يقود إلى معادلة أخرى، تظهر من خلال المواقف الرسمية التي تصدر عن الجانب الأميركي، تقوم على أساس أن المطلوب الضغط على الحزب في هذا الملف تحديدًا من أجل تأليب بيئته الشعبية ضده، في مقابل الإعلان عن أن واشنطن تملك القدرة على العمل مع العديد من الشركاء الإقليميين والدوليين لتأمين مصادر تمويل أكبر لعمليات إعادة الإعمار، لكنها أيضًا تربط المسألة بمعادلة نزع السلاح قبل الذهاب إلى أي خطوة فعلية.
في هذا السياق، ترى المصادر السياسية المتابعة أن من الضروري العودة أيضًا إلى ما سبق أن طُرح عندما تم تكليف السفير الأميركي في تركيا توم براك بالملف اللبناني لفترة من الوقت، أي قبل تعيين السفير في بيروت ميشال عيسى. حيث كان من أبرز العناوين التي تمت الإشارة إليها، بالتزامن مع طرحه ورقته الشهيرة، الحديث عن الذهاب إلى إنشاء منطقة اقتصادية في الجنوب، التي أشار إلى أن الهدف منها مساعدة مقاتلي الحزب الذين يتلقون أجرًا من إيران، وهو ما يرتبط أيضًا بسياسة الإغراء بالمشاريع الاستثمارية الكبرى على مستوى المنطقة.
من وجهة نظر هذه المصادر، هذا المسار على المستوى المالي لا ينفصل أيضًا عن الموقف الداعم للسفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة، ولا حتى عن الموقف المعروف من التمديد لولاية قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب "اليونيفيل". حيث يبقى الأساس أن واشنطن، التي توحي بأنها هي من يمنع الجانب الإسرائيلي من الذهاب إلى تصعيد عسكري كبير، تريد التشديد على أنها لن تقبل بأي تراجع من قبل بيروت، بل تريد منها التقدم أكثر في المسار المدعوم من قبلها.
في المحصلة، تلفت المصادر نفسها إلى أن الكثيرين يعتبرون أن المرحلة الراهنة هي مجرد مرحلة تمرير وقت، بانتظار وضوح المسار العام على المستوى الإقليمي. وهو أمر توافق عليه بالنسبة إلى التسوية الكبرى أو الحل النهائي، لكنها بالتزامن تعتبر أن الرسائل الأميركية واضحة، وقد تقود إلى المزيد من الضغوط في الفترة المقبلة، لا سيما إذا ما استمرت حالة المراوحة طويلًا.





















































