الأبيض النقيّ، بما يشعّه من نور وصفاء، هو لون التجلّي والقيامة والألوهة؛ غير أنّه، مهما اقتربنا من بياضه، يبقى النور الإلهيّ أسمى من أن نبلغه.
يشرح الشهيد في الكهنة ديونيسيوس الأريوباغي[1]، أن اللون الأبيض يمثّل ما هو مُشرق ومضيء. ويقول بأن كلمة "مضيء" هي المفتاح لفهم هذا الرمز. ويعتبر أن الأبيض ليس علامة على البراءة الأخلاقية فحسب، بل يشير إلى شيء يشعّ ويُظهر السطوع ويرتبط بالاستنارة الذهنيّة عند الإنسان ليبلغ الحقائق الإلهيّة متخطيًّا ما هو مادي ومنظور وملموس.
ويعتبر بأن هذا اللون يعبّر عن السطوع المرتبط بالكائنات السماويّة وهو يتوافق مع النور الإلهي والمجد الإلهيّ وقوّة الألوهة وانتصارها.
ليس أجملَ ممّا ورد في "التجلّي" لفهمِ رمزيّةِ اللون الأبيض. فقد حاول الإنجيليّون الثلاثة، متّى ومرقس ولوقا، قدرَ المستطاع، أن يصفوا النورَ الإلهيّ الذي أشرق من الرّب يسوع المسيح، عندما كشف عن طبيعته الإلهيّة أمام تلاميذه الثلاثة: بطرس ويعقوب ويوحنّا." وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ." (متى 17: 2). "وَصَارَتْ ثِيَابُهُ تَلْمَعُ بَيْضَاءَ جِدًّا كَالثَّلْجِ، لَا يَقْدِرُ قَصَّارٌ عَلَى الأَرْضِ أَنْ يُبَيِّضَ مِثْلَ ذَلِكَ." (مرقس 9: 3)، "وَفِيمَا هُوَ يُصَلِّي صَارَتْ هَيْئَةُ وَجْهِهِ مُتَغَيِّرَةً، وَلِبَاسُهُ مُبْيَضًّا لاَمِعًا،" (لوقا 9: 29).
وأيضًا نجد للأبيض بعدًا قياميًّا وهو غلبة الألوهة وانهزام كلِّ ما هو أرضيٌّ أمامه.هذا تمامًا ما نراه في أيقونة إقامة لعازر ملفوفًا بأقمطة بيضاء وخلفه سواد الموت المنهزم. فيسوع أخرجه من القبر لكي يحيا إلى الأبد في الملكوت السماويِّ، مع أنَّه كان سيموت ثانية جسديًّا.
كذلك يذكر الإنجيليّون الأربعة لون الملائكة التي تخص القيامة بأبهى وصف: "وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ. وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَالْبَرْقِ، وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ" (متّى 28: 2 -3). "وَلَمَّا دَخَلْنَ الْقَبْرَ رَأَيْنَ شَابًّا جَالِسًا عَنِ الْيَمِينِ لاَبِسًا حُلَّةً بَيْضَاءَ، فَانْدَهَشْنَ." (مرقس 16:5). "وَفِيمَا هُنَّ مُحْتَارَاتٌ فِي ذَلِكَ، إِذَا رَجُلاَنِ وَقَفَا بِهِنَّ بِثِيَابٍ بَرَّاقَةٍ." (لوقا 24: 4). "فَنَظَرَتْ مَلاَكَيْنِ بِثِيَابٍ بِيضٍ جَالِسَيْنِ وَاحِدًا عِنْدَ الرَّأْسِ وَالآخَرَ عِنْدَ الرِّجْلَيْنِ، حَيْثُ كَانَ جَسَدُ يَسُوعَ مَوْضُوعًا." (يوحنّا 20: 12). وهنا نقف أمام النور الإلهيّ الذي انبعث من قبر المسيح وما يزال.
صحيحٌ أنّ الأناجيل الأربعة لا تذكر أنّ يسوع القائم ارتدى ثوبًا أبيض، لكنّ الأيقونات تصوّره به رمزًا لألوهيّته ومجده وانتصاره على الموت.
هذا ما نحن مدعوُّون إليه، وهذا أيضًا ما تُظهِرُه أيقونة نزول الربِّ إلى الجحيم، حيث نرى لباس الربِّ أبيض، وكذلك آدم الَّذي يقيمه يسوع من بين الأموات. ولا ننسَ الأقمطة في أيقونة الميلاد الَّتي نعود نراها فارغة في أيقونة القبر الفارغ. يضاف إلى ذلك لون ثياب الملائكة في الأيقونة الأخيرة. كذلك، لونُ ثيابِ الملاكين اللذين يقفان خلف والدة الإله في أيقونة الصعود الإلهيّ أبيض، لا بوصفه مجرّد لون، بل علامةً على نور القيامة المجيدة، وشهادةً على انكسار سلطان الموت أمام مجد الحياة الإلهيّة. إنّهما يحملان في بياضهما صدى البشارة الفصحيّة، حيث يلتقي النور الأبديّ بسرّ القيامة.
لهذا نجد الكنيسة، في آخر يوم من زمن التريودي، أي سبت النور، تلبس اللون الأبيض، وكذلك الكهنة.
هذه هي مسيرتنا مع يسوع، مسيرة نور لا يعروه مساء كما نرتِّل في خدمة سحر الفصح المجيد عندما يقف الكاهن أمام الباب الملوكيِّ حاملًا شمعة ليضيء المؤمنون شموعهم منه: «هلمُّوا خذوا نورًا من النور الَّذي لا يعروه مساءٌ، ومجِّدوا المسيح الناهض من بين الأموات».
يا رب إجعلنا أنقياء لنسكع بياضًا بنورك الإلهيّ.
إلى الرب نطلب.
[1]Pseudo-Denys l'Aréopagite (أواخر القرن الخامس–أوائل القرن السادس الميلادي) في كتاب المراتب السماوية La Hiérarchie Céleste - الفصل الخامس عشر، القسم السابع (7)، ضمن Dionysian Corpus




















































