يذهب ​لبنان​ إلى جولة مفاوضات ​تامبا​ بوفد عسكري ومطالب تتجاوز تفاصيل الانتشار الميداني لتشمل وقف الاعتداءات الإسرائيلية. ويواجه الوفد مهمتين متداخلتين: البحث في إجراءات تنفيذ الاتفاق، والتعامل مع مطالب قد تغيّر شروطه. وتظهر صعوبة الفصل بينهما في مسألة التنسيق المباشر مع ​الجيش الإسرائيلي​.

هنا، يتجاوز الخلاف طريقة تبادل المعلومات إلى طبيعة العلاقة التي قد تنشأ بين الطرفين، والصلاحيات التي تمنحها الترتيبات المقترحة لكل منهما. فالمشاركة في اجتماع عسكري برعاية أميركية لا تحسم مسبقًا شكل التواصل الذي يمكن للبنان قبوله بعده. كما أن تكليف الوفد بمناقشة الانتشار والانسحاب ووقف الاعتداءات لا يمنحه تلقائيًا صلاحية الموافقة على كل شرط يُطرح لتسهيل هذه المهمات.

فقد يكون أحد الاقتراحات قابلًا للتنفيذ عسكريًا، لكنه يحتاج إلى قرار سياسي بسبب الالتزامات التي يرتبها. لهذا، ترتبط قدرة الوفد على التفاوض بوضوح مهمته وعلاقته بالسلطة التي كلّفته، إذ يحتاج الضباط إلى صلاحية تسمح بمعالجة المشكلات الميدانية، وإلى مرجعية تحسم المقترحات التي تتجاوز تلك الصلاحية. فأين ينتهي التفويض العسكري في تامبا، وأين يبدأ القرار الذي يتعين على السلطة السياسية اتخاذه؟

فصل المسارين وحدود الفصل

يساعد فصل المسارين العسكري والسياسي على إحالة التفاصيل التنفيذية إلى أصحاب الاختصاص. فالضباط أقدر على تقدير حاجات الانتشار، وتسلسل الخطوات، والوقت اللازم لتنفيذها. لكن نجاح هذا الفصل يتوقف على وجود اتفاق واضح على الغاية من الإجراءات والالتزامات المتبادلة التي تنفّذها.

أما حين يبقى الخلاف قائمًا على شروط الانسحاب أو صلاحيات التحقق أو طريقة التواصل، فإن نقله إلى اجتماع عسكري لا يغيّر طبيعته. وقد يتوصل الضباط إلى صيغة قابلة للتطبيق، بينما يبقى قبولها متوقفًا على تنازلات أو التزامات لم تحسمها السلطات السياسية.

وهنا تظهر كلفة تعليق البحث السياسي مع استمرار التفاوض العسكري: قد تتراكم مقترحات لا يملك الوفد صلاحية قبولها، أو تُترك عبارات ملتبسة لتأجيل الخلاف عليها. وفي الحالتين، يتأخر التنفيذ لأن القرار المطلوب خارج صلاحيات المجتمعين. ولتجنب ذلك، تحتاج السلطة إلى تحديد ما يعدّ تنفيذًا للاتفاق، وما يستلزم موافقة جديدة منها.

التنفيذ والالتزام الجديد

يتصل الفارق بين الحالتين بأثر المقترح على التزامات الدولة وصلاحياتها. فتحديد مراحل الانتشار ومواعيده يختلف عن منح الطرف المقابل حق الاعتراض على خطواته. والاتفاق على توثيق التنفيذ يختلف عن ترك شروط الانتقال إلى المرحلة التالية مفتوحة للتعديل. فقد يبدو الإجراء محدودًا، بينما يغيّر عمليًا ما يتعين على لبنان قبوله للحصول على تنفيذ الالتزام المقابل.

وينطبق ذلك على ​المناطق التجريبية​. فتقسيم التنفيذ إلى مراحل قد يساعد على كشف العوائق ومعالجتها، لكن فائدته تتراجع إذا بقي المقابل المطلوب من إسرائيل مؤجلًا أو غير محدد. عندها يُطلب من لبنان إثبات التنفيذ مرة بعد أخرى، من دون معيار متفق عليه يحدد متى يصبح الانسحاب المقابل مستحقًا.

لهذا، يرتبط التحقق بمضمون الالتزام الذي يجري التثبت منه وبالنتيجة التي تترتب على إنجازه. وقد توثّق الآلية انتشار الجيش أو معالجة موقع عسكري، لكنها لا تستطيع وحدها حسم الخلاف على الخطوة التالية. ويحتاج الوفد إلى التمييز بين نقص في التنفيذ يمكنه معالجته، وخلاف على شروط الاتفاق يتطلب قرارًا من مرجعيته.

ماذا يغيّر التنسيق المباشر؟

يشمل هذا التمييز قناة التواصل نفسها، إذ تتحدد آثار التنسيق المباشر بما يسمح به وبما يلزم الطرفين بفعله. فالإبلاغ عن حادث عبر وسيط، وتبادل المعلومات مباشرة، والاتفاق على إجراءات مستمرة، ترتيبات تختلف في نطاقها ومسؤوليات المشاركين فيها. ولا تتوافر في المعطيات المنشورة صيغة تفصيلية متفق عليها تسمح بالجزم بطبيعة القناة المقترحة.

لذلك، يحتاج تقييمها إلى أجوبة محددة: هل تقتصر على منع الاحتكاك؟ هل تنشئ التزامًا بتبادل معلومات؟ هل تمنح أي طرف دورًا في الموافقة على تحركات الآخر؟ وهل يبقى الوسيط مسؤولًا عن متابعة الخلافات؟ تحدد هذه التفاصيل ما إذا كانت القناة تنظّم تنفيذ الاتفاق، أو تضيف إلى العلاقة التزامات تحتاج إلى موافقة سياسية.

وفي المقابل، يحتاج رفض التنسيق المباشر إلى تصور عملي لكيفية إدارة الحوادث ومتابعة التنفيذ عبر الوساطة. فوضوح البديل يساعد الوفد على الدفاع عن موقفه، ويسمح بمناقشة حاجات التنفيذ بدل بقاء البحث محصورًا بين قبول التنسيق ورفضه. وأي تغيير مطلوب في الإطار القانوني للعلاقة، بما فيه قانون المقاطعة، يبقى مسؤولية المؤسسات المختصة، ولا ينتج تلقائيًا من اتفاق الضباط على إجراء ميداني.

تفويض يحمي الوفد ويلزم السلطة

ينيح تحديد هذه الحدود مسبقًا للوفد التفاوض من دون العودة إلى ​مجلس الوزراء​ في كل تفصيل. فالمطلوب تعيين المجالات التي يستطيع اتخاذ قرار فيها، والمقترحات التي يعرضها على مرجعيته قبل الالتزام بها. ويمكن أن يشمل ذلك تعديل شروط الانسحاب، أو قبول التزامات مستمرة، أو منح طرف آخر صلاحيات جديدة.

ولا تقتصر الحاجة إلى القرار السياسي على شكل العلاقة مع إسرائيل؛ فقد تتصل أيضًا بالصلاحيات اللازمة للتنفيذ داخل لبنان. وتوضح مسألة تفتيش المساكن بحثًا عن السلاح هذا التداخل. فالمهمة عسكرية، لكن اختيار اللجوء إلى صلاحيات استثنائية لتنفيذها يعود إلى السلطات المختصة. وإعلان حالة الطوارئ أو المنطقة العسكرية وفق المرسوم الاشتراعي 52 يتم بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء. لذلك، لا يمنح تعهّد تفاوضي الجيش صلاحيات جديدة داخل لبنان، وعلى السلطة تحديد الوسيلة القانونية التي تعتمدها وتحمل تبعاتها.

ويجب أن يعمل هذا التحديد في الاتجاهين: يحمي الوفد من تحميله مسؤولية خيارات تتجاوز مهمته، ويمنع السلطة من الاحتماء بعبارة "ترتيبات تقنية" عند مساءلتها عن نتائجها. فإذا وافقت على صيغة جديدة، تتحمل مسؤولية شرح ما قبِلته وما حصل عليه لبنان في المقابل، بدل ترك الضباط يدافعون عن قرار لم يتخذوه.

ما الذي يمكن تثبيته في تامبا؟

يسمح وضوح التفويض بتحديد نتيجة واقعية للجولة، حتى إذا تأجّلت القرارات الأوسع إلى ما بعد ​الانتخابات الإسرائيلية​. فانتظار انتهاء الانتخابات لا يضمن تبدّل شروط التفاوض، وقد يستمر الخلاف نفسه. لذلك، تبقى للجولة الحالية قيمة إذا ثبّتت ما يمكن تنفيذه وحددت القرارات التي تمنع تنفيذ ما عداه.

يمكن للجولة أن تحدد الإجراءات المقبولة من الطرفين، والاعتراضات التي تمنع تنفيذ غيرها، والمسائل التي تحتاج إلى موافقة سياسية. ويُفترض أن تميّز محاضرها بين ما اتُّفق عليه وما بقي مطلبًا لأحد الأطراف، حتى لا يُستخدم مجرد بحث المقترح لاحقًا بوصفه موافقة عليه.

وإذا أفضى اليوم الأول إلى تفاهم معلن، فمعيار تقييمه هو ما يغيّره في الالتزامات وفرص تنفيذها. أما استمرار الاجتماعات مع بقاء الشروط غامضة، فلا يتيح وحده استنتاج تقدم. يحتاج لبنان إلى معرفة ما المطلوب منه تحديدًا، وما الذي يلتزم به الطرف الآخر، وكيف تُعالج مخالفة أي منهما.

في النتيجة، يتيح التفويض العسكري بحث المقترحات وتقييمها، لكن صلاحية الوفد في إقرارها تنتهي عند حدود ما أجازته السلطة. وكل تغيير يتجاوز هذه الحدود يحتاج إلى قرار جديد منها، سواء بالقبول أو الرفض أو طلب التعديل. وبذلك تتحدد المسؤولية عن نتائج التفاوض: الجيش يفاوض وفق مهمة معلومة، والسلطة تتحمل مسؤولية الخيارات التي تكلّفه تنفيذها.