شهد لبنان خلال الأيام القليلة الماضية حراكًا دبلوماسيًا لافتًا، تمثل في زيارة عدد من المسؤولين الدوليين والعرب والعسكريين الذين عقدوا لقاءات عدة مع كبار الرسميين. فماذا يجري خلف الكواليس؟
لا يزال لبنان محور اهتمام دولي، الأمر الذي تُرجم بحركة موفدين كثيفة ناقشت مجموعة واسعة من الموضوعات. وفي هذا السياق، تركزت زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، برفقة وفد رفيع، على كيفية تعبئة الفراغ الذي سينجم بعد مغادرة قوات "اليونيفيل" الجنوب. وعُلم أن فرنسا تعمل بالتنسيق مع عدد من الدول الأوروبية على تشكيل قوة عسكرية بطابع دولي، على أن تقوم السلطة اللبنانية الرسمية في مرحلة لاحقة بالمطالبة بانتشارها في الجنوب لمساعدة الجيش اللبناني على استكمال مهماته في حفظ الأمن. يُذكر أن باريس تسعى لتأمين غطاء أوروبي–عربي واسع لضمان عدم انهيار الاستقرار في الجنوب، بينما تضغط واشنطن لربط تمويل وتدريب القوة المرتقبة بآليات رقابة صارمة تضمن منع أي وجود مسلح غير شرعي. وهذا الموضوع كان مدار بحث أيضًا من جانب القيادات اللبنانية مع كل من وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا، وقائد قوات اليونيفيل ديوداتو أبانيارا، والقائم بأعمال مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان جان أرنو. وفي المعلومات أنه حتى الساعة لا تجاوب مع السعي اللبناني لتمديد فترة عمل قوات الأمم المتحدة. لكن في المقابل، إن الجهات الدولية حريصة على أن يتم انسحاب قوات "اليونيفيل" بشكل تدريجي ومنظم، منعًا للتسبب بأي فراغ أمني مفاجئ، وعلى إفساح المجال أمام تأمين تواجد وحدات دولية أخرى في الجنوب، ولو بأعداد محدودة وبسلطات متواضعة، لمساعدة الجيش في بسط سلطته وضبط الأمن. وكان التركيز خلال محادثات بارو على ضرورة إبعاد لبنان عن أي مواجهة جديدة، وعدم تقديم أي ذريعة لإسرائيل للقيام بردود فعل عسكرية مدمرة ضد البنى التحتية اللبنانية، وللحؤول دون حلول موعد انسحاب قوات "اليونيفيل" من دون وجود وحدات بديلة.
بالانتقال إلى خلفيات زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، فهي تمحورت، إضافة إلى سبل مساعدة لبنان في حل ملف الكهرباء، حول ضرورة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية الطارئة للنازحين، بموازاة مناقشة أفكار ترمي إلى تنظيم مؤتمرات دولية مستقبلية مخصصة لإعادة إعمار المناطق المتضررة فور التوصل إلى تسوية دائمة. وفي المعلومات أن المسؤول القطري شرح دقة الوضع الإقليمي حاليًا، ونصح بضرورة التعامل بتروٍّ مع كل الموضوعات الخلافية الداخلية، منعًا للانزلاق نحو الأسوأ، في ظل عمليات شد الحبال القائمة بين أكثر من فريق إقليمي. وهذا الأمر بالتحديد كان محور الاتصالات التي أجراها الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي في لبنان، علمًا أن زياراته إلى الجنوب تدخل في سياق الدعم المعنوي للبنان، من دون أي قدرة على التأثير الميداني في مجريات الأحداث.
وفي ما خص المحادثات التي أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع المسؤولين اللبنانيين، فهي تناولت، إضافة إلى مساعي إيجاد مخرج بشأن قرار وزارة الخارجية اللبنانية سحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني وإعلانه شخصًا غير مرغوب فيه، التطورات الإقليمية المتسارعة. وفي المعلومات أن شيباني حاول قطع الطريق على استمرار مفاوضات لبنان المباشرة مع إسرائيل، من خلال تأكيد تمسك إيران الحازم بمذكرة التفاهم الإيرانية–الأميركية وبنودها المرتبطة بضرورة وقف الحرب على كل الجبهات ومنها لبنان، ودعوة الحكم في لبنان إلى انتظار التسوية الإقليمية الشاملة وعدم التسرع في سلوك مسارات فردية في ظل موازين قوى مختلة. وعلى الرغم من الحرص الإيراني العلني على عدم التدخل في الشؤون اللبنانية وعلى أهمية تنقية العلاقات الثنائية من الشوائب، فإن مساعي إيران مستمرة للإبقاء على الملف اللبناني ورقة على طاولة مفاوضاتها مع أميركا، عبر التمسك بأهمية المقاومة ودورها، ومعارضة إجراءات الدولة اللبنانية لحصر السلاح.
بالنسبة إلى اتصال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بالرئيس اللبناني جوزاف عون، فهو تركز على ضرورة التمسك بمصادرة شحنة المتفجرات العائدة إلى "حزب الله" ومحاسبة المتورطين عنها. وليس بسرّ أن واشنطن ومعها العديد من العواصم الغربية، تتعامل مع هذا الملف باعتباره اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة مؤسسات الدولة اللبنانية والجيش على فرض سلطتهما وحصر السلاح، في ظل نية الإدارة الأميركية بمتابعة المخرجات التي ستتظهر عنه للبناء على الشيء مقتضاه. وشدّدت محادثات روبيو أيضًا على أهمية إعطاء فرصة جدية وكاملة للاتصالات المباشرة بين المؤسستين العسكريتين اللبنانية والإسرائيلية، من أجل الغوص في تفاصيل التدابير الأمنية الميدانية المطلوبة لإحلال الاستقرار في الجنوب، وضرورة مباشرة الجانب اللبناني في تطبيق تدابير ميدانية فعالة على الأرض تسبق أي خطوات مقابلة من الجانب الإسرائيلي. إشارة إلى أن هذا الموضوع هو محور تركيز في الجولة الثامنة من المفاوضات العسكرية الثلاثية في مدينة تامبا بولاية فلوريدا الأميركية. لكن المعلومات المسربة والأجواء الدبلوماسية تشير إلى تعقيدات كبيرة وشروط متبادلة ستعوق التوصل إلى أي خرق. ويركز الوفد اللبناني على ضرورة التوصل إلى وقف فعلي ومستدام لإطلاق النار، والتمسك بالانسحاب الكامل من المناطق الحدودية، وتوسيع "المناطق التجريبية" لتشمل بلدات محاذية لقلعة الشقيف وتلال علي الطاهر. في المقابل، يتشدد الوفد الإسرائيلي في مطالبه عشية الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول، حيث يرهن أي خطوة من جانب إسرائيل بالنزع الكامل لسلاح "حزب الله"!
في الخلاصة، حركة الموفدين ناشطة تجاه لبنان، لكن المعضلة أن حسم الموضوعات المهمة مؤجل بسبب ترابطها مع الملفات الإقليمية المتشعبة، حيث ينتظر الجميع نتائج الصراع الأميركي–الإيراني. وكل ما يجري في الوقت المستقطع لا يتخطى إسداء النصائح أو الضغط المعنوي أو الحث على مواكبة المتغيرات الإقليمية، في أفضل الأحوال.