لفت متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس المطران الياس عودة، خلال ترؤّسه خدمة قدّاس عيد القدّيس ديمتريوس في الكنيسة الّتي تحمل اسمه في الأشرفية، إلى أنّ "كنيستنا تحتفل بتذكار القدّيس العظيم في الشّهداء ديمتريوس، الّذي اختار الشّهادة للمسيح حتى الموت، في زمن كان يمكن فيه أن يختار السّلامة والمجد والمكانة والحياة المريحة".
وأشار إلى أنّ "لذلك تأتي كلمات الرّبّ في إنجيل اليوم، كأنّها موجّهة إلينا مباشرةً: "بهذا أوصيكم أن يحبّ بعضكم بعضًا. إن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنّه قد أبغضني قبلكم... إن كانوا اضطهدوني فسيضطهدونكم"، موضحًا أنّ "هذه الكلمات ليست دعوةً إلى الخوف، بل هي إعلان لحقيقة الطريق المسيحي. فمن يريد أن يكون للمسيح، لا يعتمد محبّة العالم ومقاييسه مرجعًا لحياته".
وذكر المطران عودة، أنّ "القدّيس ديمتريوس كان ضابطًا ذا مكانة في الجيش الرّوماني، لكنّه اكتشف أنّ قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، ولا بالموقع الّذي يحتلّه، بل بمن ينتمي إليه قلبه"، مبيّنًا أنّه "حين تعارضت محبّة المسيح مع متطلّبات السّلطة والبيئة المحيطة به، لم يحاول أن يحتفظ بالمسيح سرًّا في داخله، ولم يحوّل الإيمان إلى أمر خاص لا علاقة له بحياته، بل صار إيمانه موقفًا، وحياته شهادة، ووجوده كلّه إعلانًا عن أنّ المسيح أغلى من الحياة نفسها".
وركّز على أنّ "إنسان اليوم يعيش في عالم لا يجبره على إنكار المسيح صراحةً، لكنّه قد يدفعه إلى الصمت عن إيمانه وعدم الالتزام به، وفصل تعاليم الإنجيل عن حياته اليوميّة، ومسايرة الجميع حفظًا لمصالحه، فيتحوّل الخطر من اضطهاد إلى مساومة داخليّة، ومن سيف يهدّد الجسد إلى خوف يهدّد القلب".
كما شدّد على أنّ "المسيحية ليست طريقًا بلا صليب، ولا وعدًا بحياة خالية من الألم؛ إنّها دعوة إلى حمل الصليب وحفظ الأمانة وسط التجارب"، لافتًا إلى أنّ "هذه الكلمات يفسّرها القدّيس ديمتريوس بحياته. لم يكن استشهاده بحثًا عن الموت. الكنيسة لا تمجّد الموت، بل تطلب الأمانة في الإيمان حتى أمام الموت".
وأضاف عودة: "الشّهيد هو الإنسان الّذي اكتشف أنّ الحياة الحقيقيّة ليست في أن يحافظ المرء على نفسه بأي ثمن، بل في أن يحفظ علاقته بالمسيح. لذلك يقول الرب: "ليس عبد أعظم من سيّده". إن كان المسيح قد دخل طريق الصليب، فالتلميذ لا يستغرب أن يمرّ هو أيضًا في الألم".
وأفاد بأنّ "الإنجيل لا يتحدّث عن الاضطهاد فقط. إنّه يتحدّث قبل كلّ شيء عن المحبّة، وهذا أمر بالغ الأهميّة، لأنّ الإنسان يستطيع أن يتكلّم كثيرًا على الإيمان، وأن يدافع عن العقيدة، وأن يرفع الشّعارات المسيحيّة، لكن إذا كان قلبه ممتلئًا بالكراهيّة والحسد والدّينونة، يكون قد نسي جوهر الوصية"، موضحًا أنّ "قدّيسنا لم يشهد للمسيح بالكلام فقط، بل بحياة غلبت فيها المحبّة الخوف، والحق المساومة، والأمانة المصلحة الشّخصيّة".
ودعا إلى أن "يكون القدّيس ديمتريوس شفيعًا لنا، لكي نتعلّم كيف نحمل الصليب مع المسيح. ولنتذكّر قول الرّبّ: "ستكونون لي شهودًا". العالم لا يحتاج فقط إلى مسيحيّين يتحدّثون عن المسيح، بل إلى مسيحيّين يعيشون بروحه في البيت والعمل والمجتمع، في الخفاء كما في العلن".
وختم: "لنعِش في هذا العالم دون أن نفقد علاقتنا بالمسيح، ولنحمل صليبنا بلا تذمّر، ونحفظ الإيمان العامل بالمحبّة، حتى إذا انتهت رحلة حياتنا نستطيع أن نقول مع الرّسول: قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السّعي، حفظت الإيمان".























































