شدّد رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، خلال استقباله في قصر بعبدا، وفدًا من المركز التربوي للبحوث والإنماء برئاسة رئيسته هيام إسحق، وضمّ رؤساء الوحدات في المركز، وممثّلين عن المؤسّسات التربويّة المشارِكة في وضع المنهاج العام للتعليم ما قبل الجامعي، على "أنّنا نريد جيلًا يؤمن بلبنان، ويتمسّك بوحدته، ويحترم دستوره وقوانينه، ويؤمن بأنّ المواطنة مسؤوليّة قبل أن تكون حقًّا، وأنّ الاختلاف لا يلغي الشّراكة الوطنيّة".
وأشار إلى أنّ "المركز التربوي للبحوث والإنماء مدعو إلى مواكبة هذه المرحلة، من خلال مناهج تعزّز الانتماء الوطني، وتحصّن الأجيال في مواجهة الانقسامات، وتربّي على الحوار والاعتدال واحترام الآخر. فلبنان الّذي نطمح إلى بنائه، يحتاج إلى مواطنين يعرفون حقوقهم وواجباتهم، ويثقون بدولتهم، ويؤمنون بأنّ مستقبلهم لا يُصان إلّا بوحدتهم وتمسّكهم بوطنهم".
وأوضح الرّئيس عون أنّ "الرّسالة الأساسيّة الّتي يجب أن تكون محور عمل المركز، هي أنّ التربية الوطنية ليست مجرّد تعليم عن الوطن، بل هي تربية على العيش معًا، واحترام الدّولة، وتحمّل المسؤوليّة، وصون الوحدة الوطنية، ولا سيّما في مرحلة يحتاج فيها لبنان إلى تعزيز مناعته الدّاخليّة وتحصين أجياله الشّابّة من الانقسامات".
وأكّد أنّه "لا ينبغي أن يكون التعليم للمنحى السّلبي كالتعصب الطائفي والمذهبي وغيرها، لأنّ هذا الأمر من شأنه تسميم أفكار الجيل النّاشئ، الّذي نعتمد عليه ليقود لبنان في المستقبل، بل يجب الاهتمام به وتلقينه المبادئ والقيم الإنسانيّة السّامية والنّبيلة".
كما لفت إلى أنّ "على المناهج الجديدة أن تركّز على مصلحة الجيل الجديد الّذي يجب أن ينمو على أسس وطنيّة، وأن يعي ألّا فرق بين اللّبنانيّين، ولو أنّ حق الاختلاف مقدَّس، فالشّراكة يجب أن تكون راسخة، كما الهويّة والعلم والانتماء الواحد للوطن".
وركّز الرّئيس عون على أنّ "معركتنا من أجل بناء الدّولة لا تقتصر على الإصلاحات السّياسيّة والإداريّة والاقتصاديّة، بل تبدأ أيضًا من المدرسة ومن نوعيّة التربية الّتي نقدّمها لأبنائنا".
من جهتها، اعتبرت إسحق أنّ "التربية ليست مجرّد قطاع من قطاعات الدّولة، بل هي أساس بناء الإنسان، ورافعة التنمية، وركيزة أساسيّة في بناء دولة قويّة بمؤسّساتها، متماسكة بمجتمعها، وقادرة على حماية مستقبل أبنائها. فمن خلال التربية، تتشكّل شخصيّة المواطن، وتتعمّق قيم الانتماء والمسؤوليّة، ويتعزّز احترام التنوّع ضمن الوحدة، وتتأسّس القدرة على الحوار والتفكير والعمل المشترك".
وأوضحت أنّ "انطلاقًا من هذه المسؤوليّة الوطنيّة، عمِل المركز التربوي للبحوث والإنماء، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي، وبمشاركة واسعة من الخبراء والاختصاصيّين والتربويّين، على إعداد المنهاج الوطني للتعليم العام ما قبل الجامعي، في مسار إصلاحي يواكب التحوّلات المعرفيّة والتكنولوجيّة والاجتماعيّة، ويستجيب لحاجات المتعلّمين ومتطلّبات الحياة والاقتصاد وسوق العمل، مع الحفاظ على الثّوابت الوطنيّة والقيم الإنسانيّة الّتي يقوم عليها التعليم في لبنان".
وأشارت إسحق إلى أنّ "هذا الإنجاز يكتسب أهميّةً خاصةً، لأنّه يأتي بعد نحو ثلاثين عامًا على إقرار المنهاج السّابق عام 1997، وفي مرحلة باتت فيها الحاجة ملحّة إلى تعليم لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يمكّن المتعلّم من توظيفها، وينمّي لديه التفكير النّقدي والإبداع، ومهارات التواصل والتعاون، والقدرة على ممارسة المواطنة المسؤولة ومواكبة التحوّلات المتسارعة في العالم".
وذكرت أنّ "هذا المسار الوطني قد تُوّج بصدور المرسوم رقم 3445 تاريخ 15 تمّوز 2026، المتعلّق بالمنهاج الوطني للتعليم العام ما قبل الجامعي، بعد إقراره في مجلس الوزراء واستكمال الإجراءات الدّستوريّة اللّازمة لإصداره"، مشدّدةً على أنّ "هذا المرسوم يشكّل محطةً مفصليّةً في مسيرة التربية اللّبنانيّة، وينقل العمل من إقرار الرّؤية الوطنيّة إلى مسؤوليّة مواصلة تطوير المنظومة التربويّة وتحقيق أهداف المنهاج".
كما توجّهت إلى الرّئيس عون بالقول: "في لقائنا السّابق معكم في 19 شباط 2025، تشرّفنا بتقديم الإطار الوطني اللّبناني لمنهاج التعليم العام ما قبل الجامعي، ووضعنا أمامكم أمانة استكمال هذا المشروع الوطني، مؤكّدين التزامنا مواصلة العمل على تطوير المناهج التربويّة، بما يواكب تطلّعات لبنان وحاجات أبنائه".
وأضافت إسحق: "عبّرتم يومها عن أهميّة العلم والتربية بوصفهما ثروة لبنان الحقيقيّة، وعن استعدادكم لبحث الأفكار والمقترحات الّتي تسهم في تطوير التعليم وتعزيز الإصلاح التربوي. وها نحن اليوم نعود إليكم، وفاءً لما التزمنا به، لنضع بين أيديكم المنهاج الوطني للتعليم العام ما قبل الجامعي، ثمرة مسار علمي وتربوي شارك فيه أكثر من ستمئة خبير واختصاصي في مختلف مراحل إعداد المنهاج وتطويره".
ورأت في هذه المحطة "تجسيدًا لاستمراريّة العمل المؤسسي، وانتقالًا من وضع الإطار الوطني إلى بلورة المنهاج في صورته التفصيليّة، بما يعكس رؤيةً تربويّةً متجدّدةً تضع المتعلّم في صلب العمليّة التعليميّة، وتعزّز المعارف والكفايات والقيم اللازمة لبناء المواطن المسؤول".
ولفتت إلى أنّ "تسليم هذه النّسخة ليس نهاية المسار، بل محطة أساسيّة فيه، ومسؤوليّة تقتضي مواصلة العمل والتعاون بين المؤسّسات المعنيّة والخبراء والأسرة التربويّة، حتى تتحوّل أهداف المنهاج ورؤيته إلى واقع تعليمي يواكب التطوّر، ويرتقي بجودة التعليم، ويعزّز الإنصاف في فرص التعلّم لجميع أبناء لبنان".
وركّزت إسحق على أنّ "أهميّة المنهاج الجديد لا تكمن في تحديث المواد الدّراسيّة فحسب، بل في الرّؤية الّتي يحملها لمستقبل الإنسان اللّبناني والمجتمع الّذي نطمح إلى بنائه. فمن أهمّ أهدافه إعداد جيل يعتزّ بهويّته الوطنيّة، ويحترم تنوّع مجتمعه، ويؤمن بالمواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، ويقدّر الحوار والاختلاف، ويرفض أن تتحوّل الاختلافات إلى انقسامات وحواجز تفصل بين أبناء الوطن الواحد".
وفي نهاية اللّقاء، قدّمت إسحق إلى الرّئيس عون النّسخة الاولى من منهاج التعليم العام ما قبل الجامعي الصادر بموجب المرسوم رقم 3445 تاريخ 15 تموز 2026.























































