في العام الماضي، برز الإعلان عن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، بالرغم من علامات الاستفهام الكثيرة التي تُطرح حول تاريخ السلطة الانتقالية فيها، بسبب العلاقة التي كانت تجمعها مع تنظيم "القاعدة". إلا أن هذا الانضمام، الذي أثار انتقادات من قبل جهات مقربة من السلطة نفسها، وُضع في إطار الدور المطلوب منها في محاربة التنظيمات الإرهابية، حيث العنوان الأبرز كان كيفية تعاملها مع ملف المقاتلين الأجانب في صفوفها أو المتحالفين معها.
طوال الأشهر الماضية، سعت دمشق إلى تقديم نفسها بوصفها جهة تعمل على مكافحة الإرهاب، تحديدًا من خلال العمليات التي تقوم بها ضد خلايا تنظيم "داعش" الإرهابي، الذي كان قد بادر إلى تنفيذ العديد من العمليات. لكنها وقعت، في أكثر من مرة، في فخ التقييم الخاطئ، من خلال اعتقال أو استهداف أشخاص لا علاقة لهم بالتنظيم. في وقت كانت تُطرح فيه أسئلة حول حقيقة توجهها، بعد الاستهدافات التي طالت مكونات طائفية وعرقية سورية من قبل الأجهزة الأمنية التابعة لها.
انطلاقًا من ذلك، ينبغي التعامل مع مؤشرين خطيرين برزا أول من أمس: الأول الغارة المجهولة التي نفذتها مسيّرة يُشتبه بأنها تعود إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، والتي استهدفت القيادي في تنظيم "حراس الدين" أبا عبد الرحمن الليبي على طريق حمص–دمشق. أما الثاني فهو الغارات التي نفذها الطيران الحربي الأردني ضد أهداف في درعا، أُعلن بشكل رسمي أنها تعود إلى "داعش"، بالرغم من اللغط الذي تسبب به سقوط ضحايا من المدنيين.
في قراءة مصادر متابعة، ما حصل يضع السلطة الانتقالية في دمشق أمام تحديات خطيرة، تبدأ من قدرة الليبي، الذي ينتمي إلى تنظيم من المعروف ارتباطه بتنظيم "القاعدة"، على التحرك بحرية داخل الأراضي السورية، وصولًا إلى استهدافه من قبل التحالف الدولي، بدلًا من أن تكون السلطات الأمنية الرسمية هي المسؤولة عن ملاحقته. ولا تنتهي عند استمرار قدرة "داعش" على التخطيط لعمليات خارج الحدود، كما حصل في الأردن، ما اضطر الأخيرة إلى تنفيذ غارات جوية بنفسها لحماية أمنها من تهديدات أشارت إلى أنها كانت مؤكدة.
بالنسبة إلى المصادر نفسها، الحادثة الأولى من الممكن التعامل معها ضمن إطار محدود نسبيًا، بالرغم من أن دمشق كان مفروضًا عليها العمل على معالجة ملف المقاتلين الأجانب منذ أشهر طويلة، لكنها في العديد من المرات تهربت بسبب التداعيات التي من الممكن أن تترتب على أي خطوات عملية على هذا الصعيد. لكنها تشدد على أن الحادثة الثانية تشكل في مختلف أبعادها مخاطر كبرى على كافة المستويات، قد يكون لها تداعيات أكبر من تلك المباشرة، بسبب حساسية الواقع في مناطق الجنوب السوري تحديدًا.
على المستوى المباشر، أثارت الغارات الأردنية تحدي العلاقة بين عمان ودمشق، نظرًا إلى أن الأولى تحدثت عن تنسيق مباشر بين الفريقين قبل تنفيذها، بينما نفت الثانية ذلك. بالرغم من أن الأردن حرص، بعد ذلك، على تأكيد الاستمرار في العمل على تعزيز العلاقة بين الجانبين. كما فتحت الباب أمام الكثير من الأسئلة، من قبل جمهور السلطة الانتقالية تحديدًا، حول تجاوزها من قبل دولة عربية مجاورة، من أجل تنفيذ عملية عسكرية على أراضيها.
من وجهة نظر المصادر المتابعة، لا يعكس ما أقدمت عليه عمان رغبة في توجيه رسالة حاسمة إلى "داعش" فقط، بعد العملية الإرهابية التي استهدفت الكنيسة في الكرك، بسبب الحاجة إلى تهدئة الأوضاع على المستوى الداخلي. بل هي في جوهرها تأكيد على عدم الثقة بقدرة السلطة الانتقالية على التعامل مع التهديدات التي يشكلها التنظيم من داخل أراضيها. أما الأخطر فهو أن تكون الرواية السورية عن عدم التنسيق المسبق صحيحة، لأنها تظهر رغبة في عدم معرفتها بالعملية قبل تنفيذها خوفًا من فشلها.
في المحصلة، ترى المصادر نفسها أن المؤشر الأخطر قد يكون طريقة التعامل مع الواقع في الجنوب السوري في المستقبل. على اعتبار أن هذه المنطقة تمثل جوهر الأطماع الإسرائيلية، وبالتالي فإن ما أقدمت عليه عمان سيكون من المبررات التي قد تلجأ إليها تل أبيب في أي عملية عسكرية تقوم بها، انطلاقًا من مكافحة التنظيمات الإرهابية التي تعجز دمشق عن التعامل معها، بسبب التهديدات التي تشكلها.