كان عدد المسيحيين يشكّل مطلع القرن العشرين الماضي نحو 20% من إجمالي سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ثم راحت هذه النسبة تتقلص مع الوقت لتبلغ حاليًا نحو 4% فقط من سكان الإقليم. فما هي الأسباب، وكيف السبيل لاستعادة الدور؟
الهجوم الإرهابي الأخير على كنيسة الكرك في الأردن ليس الأول من نوعه، حيث سبقه استهداف غادر لكنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس في العاصمة السورية دمشق في حزيران 2025. وتفجيرات انتحارية جبانة يوم أحد الشعانين في نيسان 2017 طالت بشكل متزامن كنيسة مار جرجس في طنطا والكاتدرائية المرقسية في الإسكندرية. وقبل ذلك تفجير إرهابي آخر في مصر أيضًا استهدف الكنيسة البطرسية في القاهرة في كانون الأول 2016. وهذه عينة صغيرة من عشرات الاعتداءات والاستهدافات المسلحة التي طالت الوجود المسيحي على امتداد الإقليم خلال العقود الماضية. علمًا أن المسألة لا تقتصر على النيل من الكنائس والمصلين فيها، بل تشمل التعرض للمسيحيين والتضييق على حرية ممارستهم لعقائدهم ومحاولة اضطهادهم في كثير من الأماكن على امتداد المشرق العربي.
وقد أسفرت هذه السياسات، معطوفة على أسباب أخرى مؤثرة، عن تراجع أعداد المسيحيين بشكل كبير، حتى في الدول التي كانوا يمثلون ثقلًا كبيرًا فيها. في لبنان تقلص مثلًا عدد المسيحيين إلى نحو 34% من مجموع اللبنانيين (نحو 1.8 مليون نسمة)، وفي السودان صارت نسبتهم نحو 4% (أقل من 2 مليون نسمة)، وفي سوريا باتت نسبتهم نحو 2.5% فقط (نحو 400 ألف نسمة)، وفي الأردن نحو 2% (نحو 200 ألف نسمة)، وفي العراق أقل من 1% (نحو 200 ألف نسمة أيضًا)، وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة أقل من 1% (أقل من 50 ألف نسمة). وحدها مصر على مستوى الإقليم لا تزال تضم نحو 11 مليون قبطي على الأقل، أي ما نسبته 10% من إجمالي المصريين، من دون أن يحول ذلك دون تعرضهم لاستهدافات واعتداءات متكررة!
بالنسبة إلى أبرز السياسات التي قادت إلى هذه النتيجة، فهي تُختصر على الشكل التالي:
أولًا: الحروب القاسية التي دفعت أعدادًا كبيرة من المسيحيين إلى الهجرة والإقامة في الخارج بشكل مستدام. وهذا ما ينطبق على هجرات عدة حصلت على دفعات متتالية من لبنان وسوريا والعراق والسودان بسبب الحروب.
ثانيًا: تصاعد التطرف الديني لدى بعض الجماعات، وتعمّد استهداف الأقليات ورموزهم الدينية وكل ما يمت بصلة لمعتقداتهم. وضعف سلطة القانون وحماية الدولة المركزية، وهو ما ينطبق على العديد من الدول الإقليمية التي شهدت اضطرابات وثغرات أمنية.
ثالثًا: تعرض العديد من دول الإقليم لأزمات اقتصادية ومالية حادة، تسببت بهجرات جماعية وفردية واسعة النطاق، لم تقتصر على المسيحيين، لكنها بدت أكثر بروزًا ضمن المجتمعات المسيحية بسبب الاختلاف في ما تشكله من نسب مقارنة بإجمالي عدد السكان في كل دولة معنية. وقد سهّل مستوى التعليم المرتفع في صفوف المجتمعات المسيحية في هجرة الكثير من أبنائها بحثًا عن العمل وعن مستقبل أفضل في الخارج، خاصة في ظل وجود شبكات اغتراب قوية لمسيحيي الشرق الأوسط تعود إلى عقود ماضية وأكثر. واستفادت الكثير من العائلات المسيحية من نظام الهجرة الأسرية التي تعتمد على جمع شمل العائلة في الخارج، الأمر الذي تسبب بمغادرة عائلات بأكملها.
رابعًا: التغير الديمغرافي على مستوى الإقليم، بسبب انخفاض معدلات الخصوبة والمواليد لدى المسيحيين، في مقابل ارتفاعها لدى الجماعات الأخرى. الأمر الذي زاد من تقلص أعداد المسيحيين، ومن جعلهم أقليات مستهدفة، حتى في الدول التي كانوا يشكلون فيها أغلبيات، أو على الأقل التي كانوا يتمتعون فيها بوجود وازن.
خامسًا: فقد المسيحيون في الشرق أدوارهم التقليدية السابقة، حيث كانوا يلعبون تاريخيًا أدوارًا مميزة. منها مثلًا: صلة وصل اقتصادي وتجاري بين الشرق والغرب بفضل شبكة علاقاتهم الواسعة، الأمر الذي لم يعد قائمًا مع العولمة وتبدل المفاهيم التجارية وانخراط مختلف الجهات في عمليات التبادل التجاري. وكان المسيحيون في السابق طليعيين في ترسيخ النهضة الثقافية والفكرية، لجهة إنشاء المدارس والجامعات الحديثة وتعليم اللغات والاستفادة من القدرة على الترجمة، الأمر الذي شكّل نقطة التقاء بين الشرق والغرب، قبل أن ينحسر هذا الدور بسبب انتشار التعليم وتبدل مستوى مختلف المجتمعات وازدياد الانفتاح العلمي والثقافي. حتى إن المسيحيين كانوا قد لعبوا دورًا رياديًا في تعميم مفاهيم أسس إنشاء الدول، اعتبارًا من تنظيم العمل الإداري والدبلوماسي والمؤسسي، وصولًا إلى نشر حرية الفكر السياسي وإبراز الهوية الوطنية. وهو ما يستفز الإيديولوجيات والعقائد الطائفية والمذهبية المتشددة والمنغلقة، التي ترفض الآخر وتذهب بعيدًا في محاربة واضطهاد كل ما هو "مختلف".
ويمكن القول إن شعور الكثير من المسيحيين اليوم بالقلق على المصير في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يقتصر على السبب الأمني فحسب، بل يشمل أيضًا الضغوط الاقتصادية ومسألة التغير السريع لديمغرافيا المنطقة، لصالح أديان غير مسيحية، بفعل الفارق الكبير في نسبة الولادات، ناهيك عن نزيف الهجرة المفتوح، وغيرها. ومع تنامي الجماعات التكفيرية وانتشار المنظمات المسلحة وضعف سلطة الدولة والقانون في كثير من دول الإقليم، صار المسيحيون يشعرون بغياب الانتماء، في ظل عدم احترام حقوق الأقليات، وتقلص مساحة الحرية المتاحة لممارسة الشعائر الدينية بسلام وبأمان.
وانطلاقًا مما سبق، على الكنائس المسيحية التي تعي تمامًا خطورة هذا الواقع أن تبذل جهودًا أكبر لبث الأمل بغد أفضل. عبر حث المسيحيين على عدم اليأس، والأهم من خلال مد يد المساعدة الملموسة، خصوصًا في تأمين العلم والسكن، ليتمكنوا من الثبات في أماكن وجودهم على الرغم من الصعوبات القائمة كلها. وعلى الرعايا الكنسية أن تشجعهم على التمسك بقيمهم، وعلى ممارسة تعاليمهم من دون خوف، إضافة إلى مواصلة السعي للاندماج في المجتمعات القائمة في المنطقة بقلب مفتوح ويد ممدودة، على الرغم من كل الشرور. لكن هذا الجهد، الذي يسترشد بتعليمات الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر، ويمر باقتراحات "الإرشاد الرسولي" الذي كان البابا الراحل بنديكتوس السادس عشر قد وقعه خلال زيارته للبنان في أيلول 2012، يستوجب الكثير من العمل والجهد والتعاضد داخل المجتمعات المسيحية بعيدًا عن الانقسامات السخيفة. وهو يتطلب أيضًا مشاركة أبناء الكنيسة أنفسهم على المستوى الفردي، لجهة التمسك بالأمل بغد أفضل قبل أي شيء آخر، والبقاء في أوطانهم وتحدي كل الصعوبات، والسعي من دون ملل لإيجاد فرص عمل كفيلة بتوفير الأرضية المتينة للقيام تاليًا بتأسيس عائلات مسيحية ملتزمة بكنيستها وبتعاليمها.




















































