إحدى تداعيات الحرب الشرق أوسطية الراهنة، انسحاب التظاهرات الشعبية المطلبية والاحتجاجية على الدول غير المشاركة في الحرب.
ومع أن الإعلام الغربي قد أضاء أكثر على فرنسا، إلا أن تظاهرات اندلعت أيضًا في بلدان أوروبية أخرى، أكان ذلك على خلفية تداعيات الحرب الشرق أوسطية أو لأسباب اجتماعية أخرى. وقد تعددت الأسباب غير أن مشهدية المتظاهرين تبقى واحدة!
ففي إيطاليا اندلعت "حركة 17 أكتوبر" –التاريخ الذي يشكّل أيضًا نذير شؤم على لبنان– احتجاجًا في شكل خاص على أزمتَي السكن والوقود.
وفي البرتغال، البلد الواقع في جنوب غرب أوروبا، في شبه الجزيرة الإيبيرية وفي أقصى دول أوروبا في اتجاه الغرب، رفض مئات المحتجين في لشبونة وبورتو تفكيك عشرات الخيام التي نصبواها في وسط المدينتين احتجاجًا على ارتفاع تكاليف السكن.
إيطاليا
وشهدت الساحة الإيطالية احتجاجات نظّمها طلاب وسائقو شاحنات ومزارعون، استنكارًا لخفض الإنفاق، وارتفاع تكاليف المعيشة، وبخاصة السكن والوقود.
وواجهت حكومة جورجيا ميلوني اليمينية المتطرفة المتظاهرين بتدابير أمنية مشددة، ردًا على أعمال العنف التي شابتها إلى حد ما، تلك التي رافقت التظاهرات في فرنسا.
كما أقرت الحكومة مرسومًا يسهّل احتجاز القاصرين، ويفرض غرامات على أهاليهم عن أي ضرر يتسببون به خلال التظاهرات. وأقرت في المقابل تدابير مالية لمساعدة سائقي الشاحنات والصيادين على مواجهة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط. وقد أُزيلت الحواجز التي كان أقامها سائقو الشاحنات، وتسببت في شلل الحركة في جنوب إيطاليا، متسببة أيضًا بنقص في الوقود والمواد الغذائية على مدى أسبوع.
البرتغال
تلقّت السلطات في البرتغال إشعارًا مسبقًا في شأن تنظيم التظاهرات خلال الفترة الممتدة من 21 تشرين الأول الجاري إلى 31 كانون الأول المقبل. وقد أكد المحتجون في لشبونة أن على الرغم من عدم سعيهم إلى القيام بأعمال عنف كتلك التي شهدتها فرنسا، إلا أن الناشطين لن يفككوا خيامهم.
ويتهم المتظاهرون الحكومة بعدم اتخاذ إجراءات كافية للحد من أزمة السكن، والعمل في المقابل على تسهيل عمليات إخلاء المستأجرين في إطار الإصلاحات التي تقوم بها الحكومة في سوق الإيجارات.
ويطال الارتفاع في إيجار الشقق الشباب في شكل خاص، وكذلك العاصمة لشبونة التي تضم مع ضواحيها نحو ربع سكان البرتغال، البالغ عددهم أكثر من 11 مليون نسمة.
ويأتي التحرك الاحتجاجي في البرتغال بالتزامن مع دخول احتجاجات أزمة السكن في إسبانيا أسبوعها الخامس، والتي أفضت إلى الدعوة إلى إجراء انتخابات تشريعية مبكرة في 29 تشرين الثاني المقبل.
تشيكيا
وفي شأن آخر، تظاهر آلاف الأشخاص في براغ، الأحد، رفضًا لخطط حكومية تقضي بإلغاء الرسوم المخصصة لتمويل التلفزيون والإذاعة العامين، وتمويلهما مباشرة من ميزانية الدولة، متهمين الحكومة بالسعي إلى تقييد حرية الصحافة.
وقد صوّت مجلس النواب التشيكي السبت لصالح تسريع إقرار مشروع قانون يلغي رسوم تمويل وسائل الإعلام العامة، ويستعيض عنها بمخصصات مباشرة من ميزانية الدولة.
ويدعم المشروع الائتلاف الحاكم الذي يقوده رئيس الوزراء أندريه بابيش، ويضم حزبين من اليمين المتطرف. وما زال إقراره يتطلب موافقة مجلس الشيوخ قبل أن يصبح قانونًا نافذًا.
ألبانيا
وتزامنًا، توعد رئيس الوزراء الألباني إيدي راما، الأحد الماضي، بتشديد الإجراءات في حق المتظاهرين المناهضين للحكومة، والمطالبين باستقالته، معلنًا فرض غرامات جديدة على أعمال العنف خلال التظاهرات.
وستُفرض غرامات تتجاوز الـ550 دولارًا على "كل من يختار البقاء ضمن حشد" يرتكب أعمال عنف أو نهب في مكان عام، أو "يخفي هويته".
وتحوّلت التظاهرات المناهضة للحكومة، المستمرة منذ أشهر، خلال الأيام الأخيرة، إلى مواجهات عنيفة بين قوات الأمن والمتظاهرين.
وقد أيّد معلمون طلابًا في المرحلة الثانوية، شاركوا في الاحتجاجات هذا العام.
وخلال الاحتجاجات الأخيرة، هاجم متظاهرون وزارة التربية ومباني رسمية أخرى، منددين بالفساد، ومطالبين بتحسين ظروف الدراسة.
ضريبة الحرب
إن التطور التكنولوجي لم يعد فقط عنصرًا بالغ الأهمية لكل الدول في الحروب الحديثة، كما وأن الأمر لم يعد يقتصر على تقليل الاعتماد على العنصر البشري واستبدال التكنولوجيا به في الأعمال الحربية. ولكن تأثير الحروب اليوم يتعدى الدول المشاركة في الحرب، بسبب التداخل الاقتصادي. وفي ظل ثقافة العولمة فإن العالم كله يتجسد في كيان واحد. وينسحب ذلك على خطين اثنين: إيجابي وسلبي!
إن ضريبة الحرب باتت اليوم تنسحب أيضًا حتى على الدول غير المشاركة في الحرب الشرق أوسطية الجارية!
وفي عالم مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد!
وفي هذا السياق، تُبرز الحرب الشرق أوسطية الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف.
كما وأدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة والأمن الغذائي، ما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي والدولي في أضرار اقتصادية عالمية.























































