لم تمنح النتائج الأولية للانتخابات الإسرائيلية أيًّا من المعسكرين المتنافسين أكثرية واضحة لتشكيل الحكومة. فحتى كتابة هذه السطور، بقي معسكرا بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت دون عتبة الواحد والستين مقعدًا، مع استمرار الفرز وانتظار احتساب الأصوات المتبقية. وبين تصدّر الليكود وقدرة خصومه على جمع مقاعد إضافية، برزت مشكلة تحويل النتيجة الانتخابية إلى ائتلاف يستطيع الحكم، بما يفتح مرحلة قد تطول فيها المساومات قبل معرفة هوية الحكومة المقبلة وتركيبتها.
بالنسبة إلى لبنان، تتجاوز أهمية هذه النتيجة معرفة ما إذا كان نتنياهو سيبقى أو يغادر، ولو أنّ النتائج الأولية أظهرت قدرة نتنياهو على الصمود أكثر مما أوحت به بعض الاستطلاعات. فالتعثّر في تشكيل حكومة جديدة يُبقيه في موقعه خلال المرحلة الانتقالية، بينما تظلّ الملفات المتصلة بالجنوب موضع قرارات عسكرية وسياسية. وهنا يظهر احتمال أن يصبح التقدّم نحو تسوية أكثر صعوبة، من دون أن تتراجع بالقدر نفسه القدرة الإسرائيلية على مواصلة الضغط أو تعديل الوقائع الميدانية.
من هذه المفارقة، يمكن قراءة المرحلة التالية للاقتراع: هل يجعل مأزق الحكم إسرائيل أكثر احتياجًا إلى التهدئة، أم يمنح الحكومة القائمة وقتًا إضافيًا لمواصلة سياستها؟ وأين يقع لبنان بين استمرار نتنياهو، واحتمال وصول بديل لم تتّضح بعد قدرته على تشكيل أكثرية، فضلًا عن حدود اختلافه في التعامل مع الجبهة اللبنانية؟
أكثرية يصعب تحويلها إلى حكومة
تحتلّ الأحزاب العربية موقعًا أساسيًا في تفسير المأزق. فقد أظهرت النتائج الجزئية، بعد فرز أكثر من خمسة وثمانين في المئة من الأصوات، اتجاهها إلى الحصول على تسعة عشر مقعدًا. وهذا يمنحها وزنًا مؤثرًا في الحسابات البرلمانية، لكن ترجمة هذا الوزن إلى مشاركة أو دعم حكومي تصطدم بمواقف القوى التي تحتاج إلى مقاعد إضافية للوصول إلى الأكثرية. فقد وضع آيزنكوت شروطًا سياسية للشراكة اعتبر أن الأحزاب العربية لا تستوفيها، فيما كرّر نتنياهو بعد الاقتراع رفض حكومة تستند إليها، داعيًا إلى تشكيل حكومة يمينية قوية. ويبقى الدعم البرلماني من الخارج احتمالًا مختلفًا عن المشاركة المباشرة في الحكومة، تتوقف ترجمته على تفاهمات لم تُحسم بعد.
وبذلك، فإن جمع مقاعد المعارضين لنتنياهو حسابيًا لا يكفي لإنتاج حكومة بديلة، ما دامت العلاقة بين مكوّنات هذه الأكثرية المحتملة محكومة بالتعهّدات والاستبعادات التي سبقت الانتخابات. فإقصاء الأحزاب العربية من حسابات الشراكة يحدّ من قدرتها على ترجمة وزنها الانتخابي إلى تغيير حكومي، ويضيّق الخيارات أمام المعارضة نفسها. وهذه عقدة سياسية قد تستمرّ حتى بعد اكتمال الفرز، لأن حسم عدد المقاعد لا يحسم استعداد الأحزاب للتعاون في ما بينها.
لا يجعل ذلك إعادة الانتخابات نتيجة محسومة، إذ تبقى إعادة ترتيب التحالفات أو التراجع عن بعض التعهّدات ممكنة. لكنه يمنح نتنياهو فائدة مباشرة من التعثّر، هي الاستمرار في رئاسة الحكومة إلى حين تشكيل بديل. وبالنسبة إلى لبنان، يعني ذلك أن غياب أكثرية جديدة لا يُنتج غيابًا للسلطة التي تتعامل مع الجبهة. صحيح أن الحكومة الانتقالية تواجه قيودًا على ممارسة صلاحياتها، لكن استمرارها يحول دون فراغ تنفيذي، ولا يسمح بافتراض أن القرار العسكري سيتجمّد إلى أن تنتهي المفاوضات الائتلافية.
ماذا يغيّر البديل في لبنان؟
لكنّ مشكلة لبنان لا تنتهي بالضرورة عند تجاوز مأزق التأليف، حتى لو أفضى إلى خروج نتنياهو من السلطة. فعندها، ينتقل السؤال من قدرة آيزنكوت على تشكيل الحكومة إلى حدود التغيير الذي يمكن أن يحمله في التعامل مع الجبهة اللبنانية. ففي عرض لمواقفه نشرته "جيروزاليم بوست" في الخامس والعشرين من تشرين الأول، نسبت إليه الصحيفة تأييد الإبقاء على منطقة أمنية داخل لبنان، والسعي إلى دور أميركي وفرنسي أكبر في مواجهة "حزب الله"، وهو ما يضع حدودًا للرهان على أن خروج نتنياهو، إن حصل، سيعني تراجعًا تلقائيًا عن الشروط الأمنية الإسرائيلية أو قبولًا بانسحاب كامل وسريع.
مع ذلك، فإن اختلاف الأدوات قد تكون له نتائج فعلية. فإعطاء مساحة أوسع للدور الفرنسي، أو زيادة الاعتماد على ترتيبات ترعاها أطراف خارجية، قد يوسّع فرص التوصّل إلى تفاهمات وتنفيذ خطوات متبادلة. لكن هذه الاحتمالات تظلّ مرتبطة بمضمون الترتيبات: هل تساعد على إنهاء الاحتلال واستعادة الدولة اللبنانية سلطتها، أم تعيد تنظيم الوجود الإسرائيلي تحت عنوان ضمانات أمنية أكثر قبولًا دوليًا؟
من هنا، يكتسب التمييز بين قابلية التفاوض ومضمون التسوية أهميته. فقد يكون رئيس حكومة جديد في إسرائيل أكثر استعدادًا للتعاون مع الوسطاء، مع احتفاظه بأهداف تتعارض مع المطالب اللبنانية. وقد ينجح في تنفيذ تفاهم يعجز نتنياهو عن تمريره داخل ائتلافه، إذا امتلك أكثرية مختلفة. لذلك، فإن وزن التغيير يتحدّد بما يستطيع أيّ بديل الالتزام به وتنفيذه، وبالحدود التي يفرضها شركاؤه عليه، لا بمجرّد تقديمه بوصفه خصمًا لنتنياهو.
قرارات مؤجّلة وضغط مستمرّ؟
تزداد حساسية المرحلة الانتقالية مع دخول الملف الأمني في السجال الذي أعقب الاقتراع. فقد حذّر آيزنكوت، في خطابه، نتنياهو من استخدام أمن إسرائيل لأغراضه السياسية، ودعا مسؤولي الأجهزة الأمنية إلى مقاومة الضغوط. وفي المقابل، استعرض نتنياهو ما عدّه إنجازات عسكرية، وتحدّث عن فرصة للتعاون مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مواجهة إيران.
وتكشف هذه المواقف حضور الأمن في معركة السلطة، لكنها لا تكفي للجزم بأن هذا الصراع سيتحوّل إلى تصعيد عسكري. فالحاجة إلى تثبيت الموقع السياسي يمكن أن تدفع في اتجاهات مختلفة. قد يسعى نتنياهو إلى إظهار الحزم لإحراج خصومه وحماية تحالفاته، وقد يجد في تفاهم تدعمه واشنطن إنجازًا يساعده على توسيع خياراته. ويتوقّف ترجيح أيّ من الاحتمالين على حسابات الشركاء والموقف الأميركي والتقديرات العسكرية.
لذلك، يصعب بناء قراءة لبنانية جدّية على معادلة تلقائية تربط تعثّره في تأمين أكثرية حكومية بالحرب، أو تعتبر انشغاله بتشكيل الحكومة فرصة مضمونة للهدوء. وبالمثل، فإن إعلان منافسه الحرص على منع استغلال الأمن لا يشكّل، بحدّ ذاته، التزامًا بتهدئة الجبهة اللبنانية؛ فقد يكون الخلاف على توقيت استخدام القوة وطريقة اتخاذ القرار، مع بقاء تأييد أهداف عسكرية وأمنية مشتركة.
أما الخطر الأكثر مباشرة على لبنان، فيتمثّل في تفاوت القدرة على تعطيل التسوية ومواصلة الضغط. فكلّ خطوة انسحاب تُؤجَّل بذريعة انتظار حكومة جديدة تعني استمرار كلفتها على المناطق المحتلّة وأهلها، بينما لا تتوقّف آثار العمليات العسكرية عند حدود الأزمة السياسية الإسرائيلية. وهنا تصبح الرعاية الأميركية أمام اختبار محدّد: مدى قدرتها واستعدادها لدفع خطوات قابلة للتنفيذ خلال المرحلة الانتقالية، وتوفير ضمانات لاستمرارها بعد تشكيل الحكومة. فمن دون ذلك، قد تتحوّل مفاوضات التأليف إلى سبب إضافي لإطالة وضع يدفع لبنان كلفته يوميًا.
وعليه، قد يدفع لبنان ثمن مأزق الحكم الإسرائيلي إذا اقترن تأجيل التسوية باستمرار الضغط الميداني. لكن النتيجة ليست حتمية، فالمرحلة الانتقالية يمكن أن تتّسع أيضًا لتفاهمات محدّدة إذا توافرت الإرادة والضمانات اللازمة. وتبدو المصلحة اللبنانية هنا واضحة: التزامات قابلة للقياس في وقف الاعتداءات والانسحاب وتمكين الجيش من الانتشار، يبدأ تنفيذها قبل تشكيل الحكومة المقبلة. عندها فقط يمكن أن يخفّ أثر الأزمة الإسرائيلية على لبنان، بدل أن تصبح الوعود المؤجَّلة إلى ما بعد التأليف غطاءً لاستمرار الواقع نفسه.
























































