لم يعد الخلاف بين الدولة اللبنانية وجمعية مصارف لبنان مجرد نزاع ضريبي حول المؤونات وفروقات أسعار الصرف، بل يعكس صراعًا أعمق على توزيع خسائر الأزمة المالية التي بدأت عام 2019، ولا تزال تداعياتها تثقل الاقتصاد والمودعين. فبين تمسك الدولة بتحصيل إيراداتها واعتراض المصارف على احتساب بعض الأرباح والخسائر، تبرز إشكالية أساسية: من يتحمل مسؤولية الانهيار، ومن يؤمّن الدولارات اللازمة لإعادة الودائع؟
وفي قراءة لأبعاد النزاع، يعتبر الخبير الاقتصادي فرنسوا الباشا أن الخلاف "ضريبي في شكله، لكنه يتعلق أساسًا بمعالجة الخسائر والمؤونات وفروقات أسعار الصرف في الميزانيات المصرفية". ويوضح أن احتساب خسائر بعض التوظيفات وفق أسعار صرف تاريخية، مقابل احتساب أرباحها بأسعار أحدث، قد يؤدي إلى إظهار أرباح محاسبية لا تعكس مكاسب اقتصادية فعلية.
ويضرب مثالًا بسندات اليوروبوند المقوّمة بالدولار، التي تراجعت قيمتها بعد تخلّف لبنان عن السداد عام 2020، فيما ارتفعت قيمتها المحاسبية بالليرة نتيجة الانتقال من سعر 1507.5 ليرات إلى 89500 ليرة للدولار. وهذا الارتفاع لا يعني أن المصارف استعادت خسائرها بالدولار، لكنه لا يعفيها من تبرير المؤونات والحسومات الضريبية التي تطالب بها.
وتتحدث جمعية المصارف عن أعباء ضريبية تقارب 600 مليون دولار، وتراجع أموالها الخاصة من 20.6 مليار دولار عام 2019 إلى نحو 5.4 مليارات. وهي أرقام تبقى، بحسب الباشا، تقديرات صادرة عن الجمعية وليست نتيجة تدقيق مستقل.
مسؤولية المصارف تتجاوز الخلاف المحاسبي
خلف هذه الأرقام، تبرز مسؤولية المصارف عن السياسات الاستثمارية التي اتبعتها قبل الانهيار، بعدما ركّزت جزءًا كبيرًا من أصولها في الدين العام وتوظيفات مصرف لبنان، مستفيدة من عوائد مرتفعة مقابل مخاطر كانت تدرك طبيعتها.
وترى مصادر متابعة عبر "النشرة" أن المصارف لم تكن مجرد ضحية للأزمة، بل ساهمت في تعميقها نتيجة غياب التنويع الكافي للمخاطر، واستمرارها في تمويل الدولة ومصرف لبنان رغم تدهور أوضاع المالية العامة.
وتشدد على أن المساهمين يجب أن يتحملوا الخسائر قبل المودعين، باعتبار أنهم استفادوا من الأرباح وقبلوا بالمخاطر، فيما يتعين إعادة تقييم أصول المصارف وتحديد المؤسسات القابلة للاستمرار وتلك التي تستوجب إعادة هيكلة أو معالجة منظمة.
من يمول سحوبات المودعين؟
تطرح المطالب الضريبية للدولة إشكالية تأثيرها على سيولة المصارف، لكن الباشا يرفض عبر "النشرة" الربط التلقائي بين تحصيل الضرائب وتراجع القدرة على إعادة الودائع.
فدفع الضرائب بالدولار يقلص السيولة المتاحة، لكنه لا يثبت أن هذه الأموال كانت ستُخصص للمودعين. والأهم، بحسب تحليله، هو تحديد المساهمة الفعلية للمصارف في تمويل التعميمين 158 و166، في ظل الدور الكبير الذي يؤديه مصرف لبنان في تأمين السحوبات الجزئية.
ويشير إلى مفارقة تتمثل في تحصيل الدولة جزءًا من ضرائبها بالدولار وإيداع الإيرادات لدى مصرف لبنان، فيما تواجه بعض الإدارات صعوبات في الوصول إلى العملات الأجنبية الموجودة في حساباتها.
غير أن وجود هذه التدفقات لا يثبت تلقائيًا استخدام الأموال العامة لتمويل السحوبات، ما يستدعي نشر بيانات تفصيلية عن مصادر الدولارات والمبالغ التي تتحملها المصارف والمصرف المركزي.
ويحذر الباشا من أن استمرار تمويل السحوبات عبر مصرف لبنان، مقابل تراجع المساهمة المباشرة للمصارف، قد يؤدي إلى تحميل جهات أخرى جزءًا من الالتزامات المصرفية من دون معالجة أصل الأزمة.
الفوائد الاستثنائية: هل جميع الودائع متشابهة؟
من أبرز المسائل التي يطرحها الباشا التمييز بين رأس المال الأصلي والفوائد الاستثنائية المتراكمة.
فالمودع الذي أدخل 20 مليون دولار إلى النظام المصرفي ليس، من الناحية الاقتصادية، في الوضع نفسه لمودع أودع أربعة ملايين دولار وارتفع رصيده إلى 20 مليونًا نتيجة رسملة فوائد مرتفعة.
ويشير إلى أن بعض المصارف اللبنانية عرضت فوائد على الدولار بلغت 10 و12% أو أكثر، في فترات كانت فيها توظيفات بالدولار في الولايات المتحدة تحقق عوائد تقارب 3 إلى 4%، مع ضرورة مراعاة اختلاف الفترات والمخاطر عند المقارنة.
وبحسب الباشا، فإن هذه الفوائد ساهمت في تضخيم الالتزامات الاسمية للمصارف من دون أن يقابلها إنتاج اقتصادي حقيقي، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من الأموال كان يُوظّف لدى مصرف لبنان أو في تمويل الاختلالات العامة.
ويستشهد بتقديرات لمضاعف كينزي يبلغ 0.3 في لبنان، مقابل 0.7 في الولايات المتحدة و0.65 في أوروبا، للدلالة على ضعف الأثر الإنتاجي للأموال المتداولة في الاقتصاد اللبناني.
لكن التمييز بين رأس المال والفوائد لا يعني إلغاء الحقوق المكتسبة تلقائيًا، بل يستوجب إطارًا قانونيًا واضحًا لإعادة تكوين الحسابات وتحديد المعالجة العادلة لكل فئة.
كلفة السلم الاجتماعي وغياب الإصلاحات
لا تنفصل الأزمة المصرفية عن الضغوط المالية التي تواجه الدولة. فبين الحاجة إلى تحسين رواتب القطاع العام والحفاظ على الخدمات، واستمرار السحوبات الجزئية للمودعين، يجري الاعتماد على موارد محدودة لاحتواء التوترات الاجتماعية.
ويعتبر الباشا أن الدولة تحاول الحفاظ على السلم الاجتماعي عبر تحسين الأجور، فيما يساهم مصرف لبنان في تخفيف الضغط على المصارف بتمويل جزء كبير من السحوبات.
لكن زيادة الضرائب، وخصوصًا على المحروقات والنشاط الاقتصادي، لتمويل النفقات العامة، تؤدي إلى رفع تكاليف الإنتاج والنقل والمعيشة، وقد تنعكس سلبًا على النمو.
ويحذر من تحول هذه الإجراءات المؤقتة إلى سياسة دائمة تؤجل الإصلاحات البنيوية، معتبرًا أن استمرار إدارة الأزمة بدلًا من حلها يشكل إحدى أكبر الخسائر التي يتكبدها الاقتصاد اللبناني منذ عام 2019.
إعادة الهيكلة بدل ترحيل الخسائر
تبدأ المعالجة، وفق الباشا، بإعداد ميزانيات مصرفية موثوقة، وتحديد القيمة الحقيقية للأصول، وتحميل المساهمين الخسائر أولًا، وإعادة رسملة المصارف القابلة للاستمرار، مع إعطاء الأولوية لصغار ومتوسطي المودعين.
كما يدعو إلى التدقيق في الأرباح الموزعة والتحويلات التفضيلية والأموال ذات المصادر غير المشروعة، وإعادة تقييم الأصول التي قد تكون قيمتها الدفترية أعلى بكثير من قيمتها السوقية.
وفي المقابل، يجب أن تحصل الدولة الضرائب المستحقة قانونًا من دون فرضها على أرباح وهمية، وأن تكشف الجهات المعنية مصادر تمويل السحوبات وحركة الأموال بين الخزينة ومصرف لبنان والمصارف.
وبين السجال الضريبي وتعثر إعادة الهيكلة، يبقى جوهر الأزمة في غياب قرار واضح بتوزيع الخسائر وتحديد الموارد القابلة للاسترداد. فإعادة ترتيب الأرقام داخل الميزانيات لا تخلق دولارات جديدة، واستمرار نقل الأعباء بين الدولة والمصارف ومصرف لبنان لا يعيد الثقة ولا الودائع.
وبعد سبع سنوات على بداية الانهيار، لا يزال المودعون ينتظرون خطة تحدد المسؤوليات ومصادر التمويل وجدولًا واقعيًا لاستعادة أموالهم، فيما يواصل الاقتصاد اللبناني دفع ثمن التأخير.