كيف تبسط الدولة سلطتها في ​المخيمات الفلسطينية​، وما الذي يترتّب عليها حين تفعل ذلك؟ يفرض إطلاق المشاورات حول الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات هذا السؤال، بعدما بقي النقاش ال​لبنان​ي طويلًا محكومًا بأولوية الأمن، فيما تراكمت مسائل العمل والخدمات والأوضاع القانونية. فالدولة التي تطالب بأن يكون القانون مرجعًا داخل المخيم، معنية بتحديد ما يعنيه ذلك في حياة سكانه، وكيف تنتظم علاقتهم بمؤسساتها، وما يبقى من مسؤوليات الجهات الفلسطينية و​المجتمع الدولي​.

في هذا السياق، جمع رئيس الحكومة ​نواف سلام​، خلال إطلاق المشاورات الجمعة، بين حصرية السلاح وتحسين الظروف المعيشية وتنظيم المسؤوليات، مع تأكيد رفض ​التوطين​ وحق العودة واستمرار دور "​الأونروا​". وأشار إلى مشروع قانون تعمل لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني على إعداده لتنظيم وضع اللاجئين وحقوقهم وواجباتهم. أمّا مشروع الخطة الذي أعدّته اللجنة، فتُرفع صيغته النهائية إلى الحكومة بعد المشاورات، ما يعني أنّ الإعلان يفتح مسارًا سياسيًا ومؤسساتيًا، ولا يشكّل تحوّلًا منجزًا في العلاقة مع المخيمات.

وتتيح المبادرة مناقشة هذه العلاقة من مدخل أوسع: هل تستطيع الدولة ممارسة سلطتها وتحمّل مسؤولياتها في الوقت نفسه، مع إبقاء قضية اللجوء ضمن إطارها السياسي والدولي؟ عمليًا، تشمل المشكلة ضعف حضور الدولة وشكله وحدود العلاقة التي تريد إقامتها مع مجتمع يعيش على أراضيها منذ عقود، من دون أن تكون إقامته تسوية نهائية لقضيته. ومن هنا، تتحدّد قيمة المبادرة بقدرتها على وصل السيادة بممارسة القانون وتنظيم شؤون السكان.

سلطة تستمر بعد معالجة السلاح

تشكّل معالجة السلاح الفلسطيني جزءًا أساسيًا من بسط سلطة الدولة، لأنّ تعدّد المرجعيات المسلحة يضعف قدرة القانون على حماية السكان ومحاسبة المخالفين. وقد أعلن سلام أنّ الحكومة بدأت، بالتعاون مع القيادة الفلسطينية، خطوات لمعالجة هذا السلاح. غير أنّ أي تقدّم في المسار يفتح سؤالًا عن الجهة التي ينبغي أن تدير الشؤون اليومية، وتفصل في النزاعات، وتضمن استمرار الخدمات. فالتغيير الأمني يستلزم مؤسسات وقواعد واضحة، حتى لا يبقى الفراغ قائمًا بعد تراجع الجهات التي كانت تشغله.

من هنا، تكتسب العلاقة اليومية مع مؤسسات الدولة أهمية سياسية. فحين يعرف المقيم الجهة التي يراجعها، والإجراء الذي يخضع له، والحق الذي يستطيع المطالبة به، تصبح سلطة القانون قابلة للممارسة. أمّا إذا اقتصر حضور الدولة على التدخل عند الاشتباكات والملاحقات، فستبقى علاقتها بالمخيم مرتبطة بالأزمات، وتستمر الحاجة إلى وسطاء يتولّون ما لا تتولّاه المؤسسات. وقد تستمد المرجعيات الموازية جزءًا من نفوذها من هذه الأدوار، ما يحدّ من أثر التقدّم الأمني إذا لم يرافقه حضور مؤسساتي منتظم.

ولا يعني ذلك تعليق معالجة السلاح إلى حين تسوية جميع المشكلات الاجتماعية، أو تحويل الحقوق إلى مقابل سياسي للتخلي عنه. المطلوب أن يتحرّك المساران ضمن سياسة واحدة، لكل منهما موجباته. فحصرية السلاح مسؤولية سيادية، وتنظيم أوضاع السكان مسؤولية قانونية وإنسانية، والتقدّم فيهما معًا يجعل حضور الدولة أكثر استقرارًا وأقل ارتباطًا بموازين القوى المتغيّرة داخل المخيمات.

رفض التوطين لا يعلّق شؤون الحياة

تظهر العقدة الثانية عند الانتقال إلى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وهو ملف لطالما حضرت على خطه مشكلة التوطين في النقاش السياسي الداخلي. وهنا، لا جدال في أنّ رفض التوطين موقف دستوري وسياسي واضح، غير أنه لا يقدّم وحده إجابات عن كيفية تنظيم العمل أو الاستفادة من الضمان الاجتماعي أو معالجة المسائل القانونية العالقة. فهذه قضايا تستدعي خيارات محدّدة تراعي أوضاع لبنان والتزاماته، ولا يكفي إبقاؤها معلّقة باسم انتظار حل قضية اللاجئين.

وهنا تبرز أهمية مشروع القانون الذي أشار إليه سلام. فالخطة تنظّم المسؤوليات والتعاون، أمّا ما يستلزم تعديلًا تشريعيًا في مسائل العمل والضمان الاجتماعي، فيفترض أن يصل إلى مجلس النواب، حيث يُختبر استعداد القوى السياسية لترجمة مواقفها إلى أحكام واضحة. عندها، يصبح النقاش أكثر تحديدًا: أي حقوق تُنظّم، وبأي شروط، وكيف تُراعى حقوق العاملين اللبنانيين والفلسطينيين؟

يسمح ذلك بمناقشة العلاقة بين تحسين شروط الحياة ورفض التوطين على أساس نصوص وآثار فعلية، والفصل بين الأمرين ضروري. فتنظيم إقامة اللاجئ وعمله لا يمنحه تلقائيًا الجنسية، ولا يسقط مطالبته بالعودة، كما أنّ تدهور أوضاعه لا يحمي هذا الحق. وللبنان مصلحة مباشرة في المعالجة، لأنّ المخيمات متصلة بمحيطها اقتصاديًا واجتماعيًا وخدماتيًا، وأي تدهور فيها يترك أثره خارج حدودها. كما أنّ وضوح القواعد يساعد المؤسسات على أداء دورها، ويحدّ من الاستغلال الذي يتيحه الغموض، من دون تغيير الموقف من الحل النهائي لقضية اللاجئين.

من يمثّل السكان ومن يتحمّل المسؤولية؟

يفرض توسيع المقاربة سؤالًا آخر عن الجهات التي ستشارك في صياغتها وتنفيذها. فالدولة والقيادات الفلسطينية و"الأونروا" والبلديات تؤدي أدوارًا مختلفة، ولا يكفي جمعها في إطار تشاوري إذا بقيت حدود المسؤولية غامضة، إذ يمكن لأي خلل أن يتحوّل إلى تبادل للاتهامات، فيجد السكان أنفسهم مطالبين بمراجعة أكثر من جهة من دون الوصول إلى جواب.

وفي هذا السياق، دعا سلام المؤسسات اللبنانية والجهات الفلسطينية وممثلي المخيمات والبلديات والهيئات المدنية والحقوقية إلى المشاركة. وتكتسب هذه الدعوة أهميتها من أنّ التفاهم مع القيادات الفلسطينية، على ضرورته، لا يغني عن الاستماع إلى العاملين وأصحاب الخبرة بالمشكلات اليومية. كما أنّ حضور البلديات يُدخل حاجات الجوار اللبناني في النقاش. والمقصود توسيع المشاركة بحيث لا تُختزل حاجات المخيم ومحيطه في أولويات القوى الأكثر نفوذًا.

وتبقى قيمة المشاركة مرتبطة بأثرها. فإذا طُلبت الملاحظات من دون بيان ما أُخذ منها وما تعذّر اعتماده، فقد ينتهي التشاور إلى إجراء شكلي. أمّا توضيح الخيارات وأسبابها، فيساعد على بناء الثقة، ويجعل الاعتراض جزءًا من النقاش المنظّم. وهذا ضروري لمسار يعتمد نجاحه على تعاون السكان، خصوصًا حين يتناول إجراءات تمس حياتهم وعلاقتهم بالسلطات.

مسؤولية لبنان لا تلغي الالتزام الدولي

عمومًا، يمكن القول إن سلام وضع حدًا واضحًا حين أكّد أنّ تعزيز حضور الدولة لا يعني حلولها مكان "الأونروا". وتكمن أهمية هذا التمييز في منع الخلط بين سلطة لبنان على أراضيه وبين مسؤولية تقديم خدمات ترتبط بولاية دولية لقضية اللاجئين. فالدولة معنية بتطبيق قوانينها وتنظيم الشؤون الواقعة ضمن صلاحياتها، فيما يستمر دور الوكالة، ولا يصبح تراجع خدماتها التزامًا ينتقل تلقائيًا إلى المؤسسات اللبنانية.

ولهذا، يفترض أن توضّح الخطة كيفية التعاون عند تداخل الأدوار، مع الحفاظ على مسؤولية المجتمع الدولي عن دعم الوكالة وتمويلها. فالتنسيق قد يحسّن الخدمات ويحدّ من تضارب الإجراءات، لكنه لا يعوّض نقص التمويل. وإذا توسّعت مهمات الجهات اللبنانية من دون تحديد مواردها وحدودها، فقد تتراجع الخدمة وتبدأ مجددًا دائرة تبادل المسؤولية. وهنا تصبح حماية دور "الأونروا" جزءًا من قابلية المقاربة للاستمرار.

في المحصلة، تفتح المشاورات فرصة لتغيير قواعد العلاقة، إذا جمعت ممارسة السلطة بتحمّل المسؤولية، وفصلت تنظيم الحياة عن حسم المصير السياسي. ويكتسب مشروع القانون المرتقب أهمية خاصة، لأنّه سينقل النقاش إلى حقوق وواجبات محدّدة يبتّ بها المشرّع. أمّا الخطة، فاختبارها أن توضح مرجعية السكان ومسؤوليات المؤسسات، مع صون الدور الدولي وحق العودة. عندها يمكن أن يصبح حضور الدولة أكثر انتظامًا، وأن تتقدّم معالجة المشكلات من دون انتظار أزمة أمنية جديدة تستدعي الجميع إلى المخيم مرة أخرى.