ترأس بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك يوسف العبسي صلاة رسامة المطران جان ابو شروش لابرشية الارجنتين في بازيليك القديس بولس ـ حريصا، حيث قال في كلمة: "بالفرح والحمد نحتفل اليوم بالليترجيّا الإلهيّة التي رقّينا في أثنائها إلى الدرجة الأسقفيّة بوضع يدنا ويدي المتروبوليت جاورجيوس حدّاد والمتروبوليت جورج بقعوني وبمشاركة السادة الإخوة المطارنة من أعضاء السينودس المقدّس، (رقّينا) قدسَ الأبِ المدبّر الرسوليّ لإكسرخوسيّة الأرجنتين المرسلِ البولسيّ جان أبو شروش، بعد أن كان سينودس كنيستنا قد رشّحه من بين ثلاثة أسماء في العام 2022 ليكون مطرانًا على هذه الأبرشيّة عينها وبعد أن صادق في العام الحاليّ على انتخابه الأب الأقدس البابا لاون الرابع عشر وعيّنه مطرانًا إكسرخوسًا عليها".
ولفت إلى أنّه "عندما تتكلّم الكنيسة عمّن تسمّيهم رؤساء َكهنة أو مطارنةً تقول إنّهم خلفاء الرسلِ القدّيسين. بهذه العبارة تحدّد الكنيسة هَويّتهم وعملهم في آن واحد. فمن حيث الهوّيّة رؤساءُ الكهنة هم نظيرَ الرسل مختارون من الله ولهم تاريخٌ نقله ودوّنه وعلّمه وعاشه أسلافهم من قبلهم، فمن واجبهم بالتالي أن يحافظوا على هذا التاريخ من الإيمان والأخلاق وأن ينقلوه بدورهم إلى خلفائهم ناصعًا صحيحًا كما تسلّموه على حسب قول الرسول بولسَ لتيموثاوس: "تمسّك بصورة الكلام الصحيح الذي سمعته منّي في الإيمان والمحبّة اللذين في المسيح يسوع واحفظ الوديعة الصالحة بعون الروح القدس الساكن فينا" (2 تيم 1: 13-14)، "استمرَّ على ما تعلّمته وأيقنته عارفًا ممّن تعلّمته" (2 تيم 3: 14)، "لأنّ الأسقف يجب أن يكون [...] متمسّكًا بالكلام الحقّ على مقتضى التعليم ليتسنّى له أن يعظ بالتعليم الصحيح" (تي 1:7-9)، "أثبتوا إذن أيّها الإخوة وتمسّكوا بالتقاليد التي تعلّمتموها منّا إمّا بكلامنا وإمّا برسائلنا" (2 تسا 2: 15)".
وأضاف العبسي: "من أجل ذلك تطلب الكنيسة من المزمعين أن ينالوا سرّ رئاسة الكهنوت، كما شاهدنا، أن يعلنوا الوديعة الإيمانيّة والأخلاقيّة أمام ممثّليها الأساقفة الراسمين وأيضًا أمام الشعب المؤمن الحاضرِ الذي من حقّة أن يسمع علنًا من أسقفه استقامةَ إيمانه والذي من واجبه أيضًا أن يرافقه حتّى لا يحيد عن هذه الاستقامة. هذه الوديعة، بتقبّلك الرسامةَ بحرّيّة ووعي ورضًى، تتحمّل اليوم مسؤوليّة صونها فلا تعودُ الوديعةُ من بعد موضوعًا للشكّ والجدال بل موضوعًا للمحبّة والإيمان تعيشها أوّلًا بكلّ جوارحك وتنقلها من ثمّة صحيحة سليمة. في هذا الصدد أصدر مجمع عقيدة الإيمان بموافقة قداسة البابا لاون في الثالث والعشرين من هذا الشهر وثيقة عن "نقل الإيمان في فجر حقبة جديدة"، عنوانها "تعالوا إليّ"، يجدر بنا كلّنا أن نستعين بها في خدمتنا الراعويّة.
وأشار إلى أن "هذا من حيث الهَويّة. أمّا من حيث العمل فقد حدّده لك السيّد المسيح نفسه بوضوح مثلما حدّده للرسل وللذين سبقوك وللذين تخلفهم. حدّد الربُّ يسوع العمل الملقى على عاتقك في ثلاثة مواضع من الإنجيل. في الموضع الأوّل حين دعا بطرس وأندراوس أخاه على شاطئ البحر قائلًا لهما: "اتبعاني فأجعلَكما صيّادي ناس" (متّى 4: 19-19). نلاحظ في هذه الدعوة أنّ يسوع بقوله لهما "أجعلكما صيّادي ناس" لم يغيّر مهنة الرسولين بصفتهما صيّادين بل غيّر موضوع هذه المهنة جاعلًا الناس بدل السمك. لماذا؟ لأنّ يسوع أراد أن يبقى رسله ومَن يخلِفهم من بعدهم متحلّين بما يتحلّى به الصيّاد من صفات. يتحلّى الصيّاد بالشجاعة والدراية وسلامة القلب والصبر والمثابرة والرجاء. يتحمّل التعب والسهر ويغامر من أجل لقمة عيش أولاده وعائلته. لا يبقى على الشاطئ يتفرّج، بل يذهب إلى العمق كما طلب يومًا المسيح من رسله بقوله لهم "اذهبوا إلى العمق". لا يمكن أن نسكن ونقيم في قصورنا مرتاحي البال كذلك الذي قال عنه يسوع إنّ مواسمه أغلّت فقال لنفسه "يا نفس إنّ لك خيراتٍ كثيرةً موضوعةً لسنين كثيرة فاستريحي وكُلي واشربي وتنعّمي" (لوقا12: 19)".
وذكر العبسي، أنّه "علينا أن نخرج لاصطياد الناس كما فعل يسوع مع بطرس وأندراوس وسائر الرسل وكما فعل الزارع الذي تكلّم عنه قائلًا إنّه "خرج" ليزرع. أن تكون صيّادًا يعني أن تكون مترقّبًا مستعدًّا متحيّنًا الفُرصةَ والوقتَ لسحب الشبكة من المياه في الوقت المناسب، للدخول في حوار مع الناس، لجذبهم إلى المسيح. أن تكون صيّادًا يعني أن تقوم كلّ يوم إلى عملك، إلى واجبك من دون أن تغرق في البحر، من دون أن يبتلعك الموج: همومُ الحياة وملذّاتها. الحياة الكهنوتيّة، التكرّس، جهاد حسن ومستمرّ، دخولٌ في ليل الصيد بانتظار فجر الغمار، شوطٌ يجب أن نقطعه بالجهاد، كما يصفه القدّيس بولس، إلى أن يكلّلنا الربّ الإله بإكليل البرّ".
وتابع: "أمّا الموضع الثاني الذي حدّد فيه السيّد المسيح عملك فهو عندما قال لبطرس ثلاث مرّات "ارع خرافي". هذا القولُ اخترته شعارًا لأسقفيّتك. عندما يقول لك السيّد المسيح "ارعَ خرافي" يريد منك أن تتحلّى بالمحبّة والحنان والعناية. شعبنا في حاجة إلى مثل هذه الأمور، في حاجة إلى أن يشعروا بدفء يسوع، بقرب يسوع. "ارعَ خرافي" يعني أن تَلُمّ شملهم وتوحّدهم وتجعلَ منهم رعيّة واحدة وشعبًا واحدًا، أن تسير قدّامهم، أن تكون قدوة، أن تدلّهم على يسوع الطريق والحقّ والحياة، أن تذهب وراء الخروف الضالّ وتفرح إذا ما عاد، أن تعود المريض وتفرح إذا ما تعافى، أن تزور السجين وتفرح إذا ما تحرّر، أن تذهب إلى الأماكن الني يصعب على غيرك الدخولُ إليها، أن تسلك كما سلك يسوع مع الزانية وزكّا العشّار ولصِّ اليمين. هذه الرعاية مبنيّة على المحبّة. من أجل ذلك، قبل أن يوكلها يسوع إلى بطرس، سأله ثلاث مرّات مسمّيًا إيّاه بالاسم كأنّه يريد أن ينتزع منه الجواب انتزاعًا: "يا سمعان ابن يونا أتحبّي أكثر من هؤلاء؟".
وأوضح أنّه "إن لم تكن لنا محبّة الله حتّى العشقِ والتضحية بكلّ شيء فمن العبث أن نتكلّم عن الأمور الأخرى، عن الأمور اللاحقة. وما أصدق هذا القول: إنّ كلّ شيء يسقط، حتّى الإيمانُ بالله والرجاء بالله، إلّا محبّةُ الله لأنّها إذا سقطت سقط كلّ شيء معها. عندما أعلن بطرس إيمانه بيسوع قائلًا له: "أنت هو ابن الله الحيّ" أجابه يسوع "أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي". بيد أنّ يسوع لم يعتبر ذلك الإعلانَ، إعلان الإيمان، كافيًا بل أراد أن تكون علاقته مع بطرس مبنيّة على أساسٍ غيره، على أساس المحبّة، فسأله "هل تحبّني أكثر من هؤلاء"، ولـمّا كان الجواب نعم قال له "إرعَ خرافي". وأنت نفسك لم تكتفِ اليوم بأن أعلنت إيمانك بيسوع بل أعلنت له حبّك وسمعت منه ما اتّخذته شعارًا لك: إرعَ خرافي".
وقال العبسي: "أمّا الموضع الثالث الذي حدّد فيه يسوع عملك فهو قوله للرسل: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (متّى 28: 19)، "اذهبوا في العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها" (مر 16: 15). أنت رسول. أنت مرسل بصفتك بولسيًّا تعلم ماذا يعني ذلك وعندك من شفيع الجمعيّة مثالٌ حسن وصيّتُه لنا أن "اقتدوا بي كما أنا أقتدي بالمسيح" "إنّ التبشير واجب عليّ والويل لي إن لم أبشّر". كم هي رهيبة هذه الكلمات. كم هي ثقيلة هذه المسؤوليّة. نحن مكرّسون لا لأنفسنا وحسب بل للناس أجمعين، للخليقة كلّها كما طلب منّا الربّ يسوع. يسوع ليس لك وحدك ولو كنت من عمّال الساعة الأولى أو من أوّل المدعوّين أو ممّن يقولون ها نحن تركنا كلّ شيء وتبعناك. يسوع يريد أنّ جميع الناس يخلصون ويبلغون إلى معرفته".
وأوضح أنّ "أيّ شيء لك لم تنله؟ إذهب إذن إلى الناس وأخبرهم عن يسوع، إروِ لهم قصّته لكي يبقى حيًّا. شعبٌ بلا قصّة شعب آيل إلى الزوال. إن كنّا لا نخبر عن يسوع فنحن شعب يندثر. أخبر عن يسوع في حينه وفي غير حينه. وسائلُ التبشير في هذه الأيّام كثيرة ومتوفّرة وسهلة المنال والاستعمال. لا بدّ من أن يقع حَبّ في أرض جيّدة وينموَ ويزهرَ ولا بدّ من أن يتمكّن القمح من الزؤان ولا بدّ من صباح نهتف فيه "المسيح قام". "وما أصدق هذا القول’إن نحن متنا معه فسنحيا معه. وإن صبرنا فسنملك معه [...] وإن لم نثبت على الأمانة فهو يبقى أمينًا لأنّه لا يقدر أن ينكر ذاته‘" (2تيم 2: 11-13)".
ولفت إلى أن "هذه الأعمال الثلاثة التي حدّدها يسوع لك من قبلِ أن يدعوك شاقّةٌ تداني أن تكون مستحيلة، وقد يخطر ببالك أن تقول مع الرسل: "من يستطيع أن يحتملها". من الناحية البشريّة هي كذلك لكنّ النعمة التي نلتها تجعلك تتغلّب عليها، والروحَ القدس الذي حلّ عليك يُعينك عليها. ما ليس مستطاعًا عندك مستطاع عند الله بهذا الروح عينه. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإنّ يسوع يثق بك. ثقةُ يسوع بك عامل جوهريّ في حياتك فلا تنسَها أبدًا. قد تضعف ثقتك أنت أو تنحجب لكنّ ثقته هو ثابتة لأنّه أمين. ثقة يسوع بك الثابتة هي التي تقوّيك وتجعلك تستمرّ على الدوام إلى الأمام. "تشدّد وتشجّع، لا ترهب ولا ترتعب لأنّ الربّ إلهك معك" (ابن سيراخ 1: 9)".
وقال: "أهنّئك. أهنّئ كنيستنا براع جديد على هوى قلب يسوع. أهنّئ إخوتك وأقاربك. أهنّئ الجمعيّة البولسيّة التي نشأتَ فيها وتخدم فيها. أهنّئ وأحيّي أبناءنا وبناتنا الذين في الأرجنتين والذين تعرفهم وتحبّهم ويعرفونك ويحبّونك إذ ما زلت تخدُمهم منذ أحد عشر عامًا. لا شكّ أنّهم ينتظرون رجوعك إليهم ليس ليستقبلوك أجمل استقبال فقط بل لكي يلتفّوا من حولك أكثر فأكثر ويحوّطوك بمحبّتهم وتقديرهم وغيرتهم وتفانيهم ويساعدوك في تحمّل المسؤوليّة الجديدة وفي إنجاحها. إنّ دورهم، دورَ العلمانيّين، هامّ جدًّا في إنجاح المسؤول برسالته كصيّاد وراعٍ ورسول".























































