تتجه الأنظار إلى الولايات المتحدة مع اقتراب الانتخابات النصفية في الثالث من تشرين الثاني، في استحقاق لا يقتصر على تحديد الأكثرية داخل الكونغرس، بل قد ينعكس على قدرة الرئيس دونالد ترامب على تنفيذ سياسته الخارجية خلال العامين المتبقيين من ولايته. وبين المواجهة مع إيران، والحرب في أوكرانيا، والتنافس مع الصين، والعلاقات مع أوروبا، تبرز تساؤلات حول مدى قدرة النتائج الانتخابية على تغيير أولويات واشنطن أو تقييد تحركاتها الدولية.
وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة لأنها تشمل جميع مقاعد مجلس النواب و35 مقعدًا في مجلس الشيوخ، وسط انقسام سياسي يجعل السيطرة على الكونغرس عنصرًا مؤثرًا في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
الكونغرس بين الرقابة وصلاحيات الرئيس
يحتفظ الرئيس الأميركي بصلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية، إلا أن الكونغرس يمتلك أدوات مؤثرة، أبرزها إقرار الموازنات والمساعدات الخارجية، والرقابة على الإدارة، والمصادقة على تعيينات دبلوماسية وأمنية عبر مجلس الشيوخ.
وفي حال تغيّرت الأكثرية داخل إحدى غرفتي الكونغرس أو كلتيهما، قد يواجه ترامب صعوبات إضافية في تمرير بعض مشاريعه وتأمين التمويل لسياساته، فضلًا عن احتمال تصاعد التحقيقات والمساءلة البرلمانية. في المقابل، يستطيع الاستمرار في استخدام صلاحياته التنفيذية، ضمن الحدود الدستورية والقانونية.
ويرى أستاذ العلاقات الدولية الدكتور نضال شقير عبر "النشرة" أن فوز ترامب السياسي أو خسارته في الانتخابات عامل يجب أخذه في الحسبان، لكنه لا يشكل وحده المحدد الأساسي لقراراته المقبلة. ويعتبر أن نتائج الانتخابات قد تفرض عليه قيودًا إضافية، من دون أن تعني توقف تحركاته الخارجية أو انسحاب القوات الأميركية بصورة فورية.
الشرق الأوسط: إيران وإسرائيل في قلب الحسابات
تبدو منطقة الشرق الأوسط من أكثر الساحات حساسية تجاه أي تغيير في التوازنات الأميركية، خصوصًا مع استمرار المواجهة مع إيران وما تثيره من مخاوف بشأن اتساع العمليات العسكرية وانعكاساتها الإقليمية.
وفي هذا السياق، يتحدث شقير عن توقعات بتنفيذ ضربة أميركية جديدة ضد إيران خلال 72 ساعة، معتبرًا أن ترامب قد يتجه إلى مزيد من التشدد، في ضوء التطورات السياسية الإسرائيلية وحساباته المتعلقة بموقعه أمام حلفائه.
ويعتقد شقير أن ترامب يسعى إلى تحقيق نتيجة حاسمة في المواجهة مع إيران، وأن عدم إنجاز الأهداف التي بدأ العمل عليها في المنطقة قد ينعكس على صورته السياسية. ويضيف أن الرئيس قد يمتلك هامشًا لتنفيذ ضربة جديدة، لكنه لن يتمتع بالضرورة بوقت مفتوح لإدارة مواجهة طويلة، خصوصًا إذا ازدادت القيود داخل الكونغرس.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن تأثير الانتخابات قد يظهر في النقاش حول المساعدات العسكرية والرقابة على استخدامها، من دون أن يعني ذلك تحولًا تلقائيًا في العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.
ويبرز العامل الاقتصادي أيضًا في هذه المعادلة. فبحسب شقير، تتركز اعتراضات الديمقراطيين على الحرب مع إيران، في جانب أساسي منها، على التضخم وارتفاع الأسعار وتأثير المواجهة على الاقتصاد الأميركي. غير أن النقاش داخل الحزب الديمقراطي يشمل كذلك صلاحيات الرئيس وأهداف الحرب وكلفتها الإنسانية والعسكرية.
أوكرانيا والصين وأوروبا: ملفات تنتظر التوازنات الجديدة
لا تنحصر تداعيات الانتخابات بالشرق الأوسط، إذ قد تتأثر ملفات دولية أخرى بطبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس الجديد.
ففي أوكرانيا، يبقى تمويل المساعدات العسكرية والأمنية إحدى الأدوات التي يستطيع الكونغرس التأثير من خلالها في السياسة الأميركية، فيما يحتفظ الرئيس بدور أساسي في إدارة الاتصالات الدبلوماسية والمفاوضات.
أما الصين، فيتداخل التنافس معها بين التجارة والتكنولوجيا والأمن، ما يجعل أي تغيير في السياسة الأميركية مرتبطًا بمواقف الحزبين ومصالح المؤسسات الاقتصادية والأمنية، وليس بنتائج الانتخابات وحدها.
وفي أوروبا، ستراقب الحكومات مستقبل الالتزامات الأميركية تجاه حلف شمال الأطلسي، والإنفاق الدفاعي، والعلاقات التجارية، ومدى قدرة واشنطن على الحفاظ على سياسة متماسكة تجاه حلفائها.
لبنان بين المساعدات والعقوبات والاستقرار
بالنسبة إلى لبنان، تبرز أهمية الكونغرس من خلال دوره في تمويل المساعدات الأميركية للجيش اللبناني، ومناقشة العقوبات، ومراقبة توجهات الإدارة تجاه الأزمات الإقليمية.
وقد يؤثر تبدّل الأكثرية في حجم الضغوط السياسية والرقابة على هذه الملفات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تغييرًا فوريًا في الأهداف الأميركية تجاه لبنان.
وفي هذا الإطار، يعتبر شقير أن "أي إدارة أميركية ستكون معنية باستقرار لبنان والعمل على تحقيق السلام بين لبنان وإسرائيل، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات".
إلا أن الوسائل المعتمدة لتحقيق هذه الأهداف قد تختلف، سواء عبر الضغوط الدبلوماسية أو المساعدات العسكرية أو العقوبات، خصوصًا إذا شهدت المنطقة تصعيدًا جديدًا مع إيران.
ومن هنا، لا يرتبط مستقبل لبنان فقط بنتائج الاقتراع الأميركي، بل أيضًا بالتطورات الإقليمية وقدرة الدولة اللبنانية على التعامل مع الضغوط السياسية والأمنية.
هل تتغير السياسة الأميركية أم هامش تنفيذها؟
في المحصلة، قد تعيد الانتخابات النصفية رسم العلاقة بين ترامب والكونغرس، لكنها لا تعني بالضرورة انقلابًا في السياسة الخارجية الأميركية.
فالتغيير المحتمل قد يظهر بصورة أوضح في التمويل والرقابة والتعيينات والقدرة على تمرير القرارات، بينما تبقى للرئيس صلاحيات واسعة في إدارة الأزمات الدولية.
وبين الحسابات الانتخابية والمواجهات الإقليمية، سيكون الاختبار الحقيقي بعد الثالث من تشرين الثاني في قدرة ترامب على التوفيق بين أولوياته الخارجية والقيود الداخلية، وفي مدى تأثير ذلك على قرارات واشنطن تجاه الشرق الأوسط وأوكرانيا والصين وأوروبا ولبنان.






















































