أشارت صحيفة "الرياض" السعودية إلى أن "ليست كل زيارة إلى طهران،كما يفسرها البعض، اختراقًا سياسيًا، كما أن فتح قنوات الحوار لا يعني بالضرورة أن الأزمة دخلت مسار التسوية"، موضحة أن "القيمة الحقيقية للزيارة الأخيرة التي جمعت وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان وممثلين رفيعي المستوى من باكستان وتركيا بالقيادة الإيرانية تكمن في أنها نقلت جزءًا من الاختبار من الميدان إلى طاولة السياسة: هل تستطيع المشاورات أن تضبط السلوك، وتوقف توظيف ساحات المنطقة وأمنها وممراتها الحيوية أدواتٍ للضغط والتفاوض؟"
ولفتت إلى أن "الرياض أعلنت بوضوح أن الزيارة تأتي في إطار خفض التصعيد وتشجيع الحلول الدبلوماسية، ودعم جهود الوساطة القطرية والباكستانية، وفتح قنوات تفاوض تمنع العودة إلى التصعيد العسكري. وهذه نقطة مهمة؛ لأن السعودية لا تطرح الحوار بوصفه بديلًا عن حماية أمنها وسيادتها، وإنما أداة لمنع توسع دائرة الحرب واحتواء كلفتها الإقليمية والدولية".
وأوضحت أن "ما بعد الزيارة أهم من الزيارة نفسها.. فالمنطقة لا تعاني أزمة في عدد قنوات الاتصال بقدر ما تعاني أزمة في تحويل التفاهمات السياسية إلى سلوك يمكن قياسه على الأرض. الاختبار الآن ليس في جودة البيانات الختامية، بل في قدرة الحوار على إنتاج نتائج واضحة: هل تنخفض الهجمات الحوثية على الأراضي والمنشآت السعودية؟ هل تُحمى حركة الملاحة والطاقة من الابتزاز العسكري؟ وهل تتحول سيادة الدول إلى خط أحمر فعلي، لا إلى بند متكرر في البيانات السياسية؟".
واعتبرت أن "هذا السؤال يزداد إلحاحًا؛ لأن الاعتداءات الحوثية الأخيرة لم تستهدف فضاءً عسكريًا مغلقًا، بل طالت مطارات ومنشآت نفطية وبنية مدنية وأثرت بصورة مباشرة في حركة الطيران. وشهد مطار الملك خالد الدولي في الرياض اضطرابات واسعة وإلغاءات كبيرة للرحلات خلال أكتوبر، في وقت توسعت فيه الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مواقع سعودية متعددة".
ورأت أن "زيارة طهران تكتسب أهميتها أيضًا من طبيعة الأطراف التي حملت الرسالة.. السعودية، وباكستان، وتركيا ليست ثلاث دول تتقاطع مصالحها في لحظة عابرة؛ فهي باتت تتحرك ضمن إطار دفاعي وسياسي أكثر انتظامًا بعد اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تنص على اعتبار الاعتداء المسلح على أحد أطرافها اعتداءً على الجميع، بينما مضت أنقرة في إجراءات التصديق البرلماني على الاتفاق".
وأضافت: "هنا تحديدًا تتغير دلالة التنسيق الثلاثي.. إذا بقي هذا التنسيق في حدود المواقف والزيارات، فسيظل رسالة سياسية مهمة، لكنها محدودة الأثر، أما إذا استطاع أن ينتج آليات لخفض التصعيد، وضمانات لاحترام السيادة، وترتيبات لحماية الملاحة والمنشآت الحيوية، وقنوات اتصال تمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع، فإنه يتحول من اصطفاف سياسي إلى قدرة إقليمية حقيقية على التأثير في مسار الأزمة".
وأشارت إلى أن "ما يمنح هذا التحرك ثقله أن الدول الثلاث تأتي إلى الحوار من مواقع مختلفة ومتكاملة: السعودية في قلب أمن الخليج والطاقة العالمية، باكستان بما تملكه من قنوات اتصال مع أطراف متعددة، وتركيا بثقلها العسكري والسياسي وصلاتها الغربية والإقليمية.. اجتماع هذه العناصر يمنح التنسيق مساحة للتحرك بين الردع والوساطة، بشرط ألا يتحول الحوار إلى غطاء يتيح استمرار الضغط الميداني. كما أن أمن الخليج لم يعد ملفًا إقليميًا مغلقًا.. اضطراب مضيق هرمز، واستهداف المنشآت النفطية، وتهديد المطارات والموانئ، كلها تنتقل فورًا إلى أسواق الطاقة والتأمين والنقل وسلاسل الإمداد.. وحتى الإشارات المحدودة إلى تقدم جهود التهدئة انعكست سريعًا على أسعار النفط، بما يؤكد أن العالم يقرأ أمن المنطقة من خلال أثره المباشر في الاقتصاد العالمي".
ولفتت إلى أن "المشاورات في طهران انتهت باتفاق على مواصلة الحوار والتعاون في قضايا السلام والأمن الإقليمي، لكنها لم تنتج حتى الآن تسوية شاملة.. وهذا ليس مفاجئًا؛ فالأزمات المعقدة لا تُحل في اجتماع واحد. لكن استمرار الحوار يصبح ذا قيمة فقط عندما تبدأ نتائجه في الظهور خارج قاعات الاجتماعات".
وأكدت أن |السعودية هنا لا تختبر نوايا طهران بالكلمات، بل تختبر قدرة الدبلوماسية على إنتاج سلوك مختلف.. فإذا أسهمت المشاورات في تحييد الملاحة والطاقة والمنشآت المدنية عن أدوات الضغط، وفرض احترام السيادة، ووقف الهجمات التي تهدد أمن المملكة والخليج، فإن زيارة طهران ستكون قد فتحت أكثر من باب للحوار؛ ستكون قد دشنت مسارًا جديدًا لإدارة أمن المنطقة من داخلها. أما إذا ظل الميدان يقول شيئًا، وطاولة التفاوض تقول شيئًا آخر، فسيبقى السؤال مفتوحًا: هل كان الحوار مدخلًا إلى التسوية.. أم مجرد استراحة بين جولتين من التصعيد؟"، مضيفة: "في الشرق الأوسط، الفارق بين الاثنين لا تصنعه البيانات، بل السلوك الذي يليها".