أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه وقف المساعدات المالية لإسرائيل مع نهاية عام 2026 تساؤلات تتجاوز الجانب المالي. خصوصًا أن الاتفاق العسكري الموقع في أيلول 2016 خلال ولاية الرئيس السابق باراك أوباما ينص على تقديم مساعدات بقيمة 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات (2019–2028)، بمعدل 3.8 مليارات دولار سنويًا. وبالتالي، فإن حديث ترامب يعني، إذا كان يقصد الموعد الذي ذكره فعلًا، إنهاء المساعدات قبل انتهاء الاتفاق بعامين، وليس مجرد عدم تجديده. فهل كان الأمر زلة لسان أو خطأ في تحديد السنة، كما بادر البعض إلى تفسيره، أم أنه إعلان مقصود يحمل رسالة سياسية؟
في المبدأ، لا يمكن استبعاد الاحتمال الأول، لكن توقيت التصريح ومضمونه يجعلان من الصعب اختزاله في خطأ عابر. فترامب لم يكتفِ بالحديث عن وقف المساعدات، بل قال إن الأمر جاء نتيجة تفاهم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وحرص في المقابل على التأكيد أن الولايات المتحدة ستواصل بيع الأسلحة لإسرائيل ومساعدتها عند الحاجة. وهذا يفسر عمليًا على أن الرئيس الأميركي ليس بصدد مراجعة التحالف مع إسرائيل، بل الأكثر ترجيحًا هو أنه يسعى إلى إعادة النظر في أحد أشكال الدعم الذي اعتادت الحصول عليه. ويصعب فصل هذا الإعلان عن نتائج الانتخابات النصفية وتنامي الاستياء من استمرار الإنفاق على إسرائيل والحروب الخارجية، وهو ما ذكره ترامب نفسه حين اعتبر أن المساعدات أصبحت مادة يستخدمها الديمقراطيون لمهاجمة الجمهوريين.
وفي هذا الإطار، تكتسب مواقف نائب الرئيس جاي دي فانس أهمية خاصة، كونه ربط خسائر الجمهوريين بمطالب ناخبين يريدون إنهاء الحروب، والتركيز على الأوضاع الاقتصادية والمصالح الأميركية، وإحداث تغيير في العلاقة مع إسرائيل. وهو ما يجسد طبيعة النقاش داخل المعسكر الجمهوري نفسه، وليس مجرد اعتراض صادر عن خصوم الإدارة. وبذلك، قد يكون ترامب يحاول استيعاب تحول في المزاج الانتخابي، من دون الذهاب إلى حد المساس بجوهر التحالف مع إسرائيل. وقد يلجأ إلى ذريعة استجابته لمطلب تقليص الإنفاق الخارجي كمبرر لوقف المساعدات، مع الإبقاء على التعاون العسكري والأمني.
أما المقاربة الأهم، فهي نسب القرار إلى تفاهم مع نتنياهو. فهل وافق الأخير فعلًا على إنهاء المساعدات في 2026، أم أن موافقته كانت على مبدأ تقليص الاعتماد عليها تدريجيًا، وهو توجه سبق أن تحدث عنه؟ علمًا أن تقارير إسرائيلية تحدثت عن مفاجأة إزاء توقيت الإعلان وصيغته. في الحالتين، يحمل التصريح رسالة إلى نتنياهو مفادها أن العلاقة الشخصية مع ترامب لا تعني استمرار الترتيبات والامتيازات السابقة من دون مراجعة. لكن في المقابل، لا يثبت ذلك وجود خلاف شخصي بينهما، ولا يكفي الاعتماد عليه للحديث عن تراجع في مكانة إسرائيل لدى الإدارة الأميركية.
الأرجح أن ما نشهده ليس ابتعادًا أميركيًا عن إسرائيل، ولا تحولًا في جوهر التحالف معها، بل محاولة للفصل بين عناصر العلاقة المختلفة. فواشنطن تستطيع الاستمرار في دعم التفوق العسكري الإسرائيلي، وبيع الأسلحة، والتعاون الأمني والاستخباراتي، من دون أن ترى ضرورة للإبقاء على المساعدات المالية السنوية بالصيغة نفسها. كما يمكنها التمييز بين التزامها الاستراتيجي بأمن إسرائيل، وبين تأييدها لكل سياسات حكومتها أو منحها كل أشكال الدعم تلقائيًا.
قد يكون المعنى الأعمق لتصريح ترامب أن الولايات المتحدة تريد الاحتفاظ بعلاقتها الاستراتيجية مع إسرائيل، مع امتلاك حرية أكبر في تحديد طبيعة المزايا التي تمنحها لها. والقول إنه الرئيس الأميركي الوحيد الذي يملك الجرأة للحديث عن ذلك واتخاذ مثل هذه الخطوات. وللإنصاف، يجب إعطاؤه هذا الفضل لأنه صحيح.