احتفل رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك، المطران إبراهيم مخايل إبراهيم، بالقداس الإلهي عشية عيد رئيس الملائكة ميخائيل، في كنيسة الملاك ميخائيل في زحلة.
وألقى المطران إبراهيم عظة روحية تناول فيها معاني عيد رئيس الملائكة ميخائيل، متوقفاً عند دلالة اسمه «مَنْ مِثْلُ الله؟»، الذي يشكّل صرخة إيمان في وجه الكبرياء، وإعلاناً بأن الله وحده هو مصدر الحياة والحق والمحبة، وأن الإنسان، مهما بلغت قوته وعظمته، يبقى محتاجاً إلى خالقه.
واستهل المطران إبراهيم تأمله بالإشارة إلى ما يورده سفر الرؤيا عن الحرب بين رئيس الملائكة ميخائيل وملائكته والتنين، معتبراً أن هذه المعركة ليست مجرد حدث في عالم الملائكة، بل هي صورة للصراع الذي يتجدد يومياً في قلب الإنسان، بين الخير والشر، والمحبة والأنانية، والتواضع والكبرياء، والأمانة لله والرغبة في الاستغناء عنه.
ولفت إلى أن الشر قد يبدأ بفكرة صغيرة تتسلل إلى القلب، حين يضع الإنسان نفسه فوق الآخرين، ويجعل إرادته فوق كل إرادة، مؤكداً أن عظمة ميخائيل لا تكمن في السيف الذي يحمله، بل في أمانته لله ووقوفه إلى جانب الحق، وأن القوة الحقيقية ليست في إخضاع الآخرين، بل في الانتصار على الذات.
وشدد على أن القوي هو من يستطيع أن يغفر، والشجاع هو من يبقى أميناً للحق رغم خوفه، والعظيم هو من ينحني ليخدم الآخرين، داعياً المؤمنين إلى التمسك بهذه القيم في عالم تتكاثر فيه الحروب والانقسامات، وتتراجع فيه أحياناً قيمة الإنسان أمام المصالح والسلطة والمال.
وأضاف أن عيد الملاك ميخائيل يحمل دعوة واضحة إلى عدم السماح للشر بأن ينتصر في القلوب، حتى عندما ينتشر من حولنا، وإلى عدم مقابلة الظلم بالظلم، أو الكراهية بالكراهية، أو اليأس بالتخلي عن الرجاء. وأكد أن انتصار المسيح على الشر لم يتحقق بالعنف، بل بالصليب، حيث انتصرت المحبة على الخطيئة، والحياة على الموت، والخير على الشر.
وتوقف المطران إبراهيم عند أهمية الثبات في الإيمان وسط التجارب والصعوبات، مشيراً إلى أن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس خسارة المال أو الصحة أو المكانة، بل خسارة قلبه وقدرته على المحبة، وابتعاده عن الله وعن ذاته وإخوته.
وطرح في عظته سؤالاً محورياً مستوحى من اسم رئيس الملائكة ميخائيل: «مَنْ يحتل مكان الله في حياتنا؟»، داعياً إلى مراجعة الأولويات والخيارات اليومية، والتساؤل عما إذا كان المال أو السلطة أو الكبرياء أو الخوف قد أخذ مكان الله في أفكارنا وقراراتنا وعلاقاتنا.
وأكد أن قيمة حياة الإنسان لا تُقاس بما جمعه أو امتلكه، بل بما أحبّه وأعطاه وغفره، مشدداً على أن ما يبقى من الإنسان هو أعمال المحبة والعطاء والرحمة، وكل دمعة مسحها، وكل جائع أطعمه، وكل قلب جريح واساه، وكل إساءة قابلها بالغفران.
وفي ختام عظته، رفع الصلاة بشفاعة رئيس الملائكة ميخائيل، طالباً أن يمنح الرب المؤمنين قلباً لا تستعبده الكبرياء، وإيماناً لا يهزمه الخوف، ومحبة لا تطفئها قساوة الحياة، كما صلى من أجل لبنان المتألم، ومن أجل المرضى والفقراء والوحيدين، والعائلات والشباب، لكي لا يفقدوا الرجاء مهما اشتدت المحن.
وختم بالتأكيد أن الإنسان لا يصبح عظيماً عندما يقترب من السلطة أو الغنى أو المجد، بل عندما يقترب من الله، مردداً: «لا أحد مثلك يا رب، فأنت قوتنا في ضعفنا، وسلامنا في اضطرابنا، ورجاؤنا في آلامنا، وحياتنا التي لا تزول»، متمنياً للجميع عيداً مباركاً.
وفي نهاية القداس، أُقيمت رتبة تبريك القرابين، وسط أجواء من الصلاة والإيمان.