أكد السفير الروسي في لبنان ألكسندر زاسبكين أن الشغور الرئاسي يؤثر سلباً على الأوضاع الداخلية في لبنان، لا سيما أنّ رئيس الجمهورية يلعب دوراً أساسياً في بلورة النهج السياسي ويُكوِّن أحد الركائز الأساسية للسلطة، موضحاً أنه من أجل ذلك هناك دائماً موقف داعم من القوى الخارجية لانتخاب الرئيس في أسرع وقت ممكن، لافتاً إلى أنه في الوقت عينه، هذا الانتخاب هو نتيجة التوافق بين القوى السياسية في لبنان، "ولذلك نحن من خلال الإتصالات معها نشجعها على الحوار لايجاد الحل لمصلحة الشعب اللبناني".
وفي حديث لـ"النشرة"، أعرب زاسبكين عن إعتقاده بأن "القواسم المشتركة التي يجب أن تتجسد في شخصية الرئيس لم تتبلور بعد"، معتبراً أن "الحديث الأكبر يجب أن يكون سياسياً، ومن المهم إيجاد هذه القواسم حول البرنامج أو الاستراتجية المستقبلية للبنان، ومن هنا من الممكن البحث عن شخص المرشح".
المظلة الدولية موجودة ولكن
أما بالنسبة إلى الوضع الأمني في لبنان، فأكد زاسبكين أن المظلة الدولية لا تزال موجودة، لكنه أشار إلى أن إرتفاع الخطر مرتبط بالتطور الإقليمي لأن موضوع "داعش"، أو الإرهاب على وجه العموم في منطقة الشرق الأوسط، والذي يشمل كل المنطقة، لديه انعكاسات في العديد من الدول، موضحاً أنه "في كل ساحة من ساحات المعركة تطور الأحداث يختلف، لكن في لبنان من الممكن تطويق المشكلة ووضع حاجز أمام الإمتداد الإرهابي إعتماداً على القدرات الذاتية اللبنانية، المتمثلة بالجيش اللبناني وباقي القوى الأمنية، وبتأييد من المجتمع الدولي".
ورداً على سؤال عما إذا كانت لديه بعض المخاوف في هذا السياق، أكد السفير الروسي أن هناك مخاوف، لكنه أوضح أن ذلك لا يجب أن يُفهَم بأنه خوف بل عبارة عن اعتراف بضرورة الإستنفار السياسي والمعنوي لكافة مكونات المجتمع اللبناني والقوى الخارجية التي تؤيد الأمن والإستقرار في هذا البلد.
دعم الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية مطروح
وعلى صعيد دعم الجيش اللبناني، أوضح زاسبكين أن الحكومة الروسية، وفي إطار مجموعة دعم لبنان الدولية، إتخذت الموقف من أجل تأييد لبنان من كافة النواحي، بما في ذلك بمجال التعاون العسكري الفني، وعلى ما يبدو موضوع توريد الأسلحة الروسية مطروح من قبل الجانب اللبناني حالياً، مع الأخذ بعين الإعتبار المفاوضات السابقة والمستجدات، ومنها منح الهبة السعودية للبنان لهذا الهدف، لافتاً إلى أن "الجانب الروسي يدرس الإقتراحات اللبنانية الخاصة بالمعدات للجيش وقوى الأمن الداخلي"، وقال: "هذا موضوع جديد لا يمكن أن نقول الكثير من التفاصيل حوله، فالصورة ستكون أوضح في الفترة المقبلة".
وعن إمكانية تقديم أسلحة من العيار الثقيل إلى الجيش، أكد زاسبكين أن الموضوع لم يُبحَث بهذا الشكل لأن هناك أنواعًا من الأسلحة التقليدية التي لا يؤدي إمتلاكها إلى التغيير الجذري في موازين القوى الإقليمية، ومن هذه الزاوية السؤال غير مطروح بالنسبة إلى لبنان، بالإضافة إلى أن المفاوضات كانت تجري منذ فترة والإتصالات الحالية تجري كمواصلة أو إستئناف لها.
إمكانية عودة الجهود السلمية في سوريا أمر غامض
من ناحية أخرى، تطرق السفير الروسي إلى الأوضاع على الساحة السورية، رافضاً القول أنها أصبحت أقل أهمية مما كانت في الفترة السابقةً، لكنه أشار إلى عوامل أخرى، كالعراق مثلاً، حيث جرى تصعيد الهجوم "الداعشي"، إلا أنه أكد أن العمليات العسكرية في سوريا مستمرة، لافتاً إلى أن الأهداف نفسها التي كانت مطروحة سابقاً لا تزال هي هي.
وأشار زاسبكين إلى أن عملية التسوية السياسية في سوريا توقفت نتيجة أسباب موضوعية وذاتية، والمطلوب استئناف عملية جنيف، أي محاولات وقف العنف واجراء الحوار بين السلطات السورية والمعارضة، معتبراً أن توقفها أمر سلبي، مؤكدا أن بلاده مستعدة لمواصلة الجهود لكن الجانب الأميركي على ما يبدو يعطل هذا الأمر، موضحاً أن الأوضاع في أوكرانيا تلعب هنا دوراً، خصوصاً أن الأميركي نتيجة ما يحدث جمد التعاون مع روسيا في عدة مجالات، وإذ تساءل: "هل من الممكن في المستقبل القريب استئناف الجهود السلمية في سوريا؟" أردف قائلاً: "أتمنى ذلك لكن حالياً الوضع من هذه الناحية غامض".
التحالف الدولي من أجل محاربة الإرهاب
من جهة ثانية، إعتبر زاسبكين أن السؤال عن إمكانية قيام تحالف دولي لمحاربة الإرهاب يتعلق بطبيعة العلاقات الدولية خلال المرحلة الراهنة، لا سيما أن موضوع توحيد الجهود يتطلب التصرف وفقاً للشرعية الدولية ولمبادئ المساواة وبدون أزدواجية في المعايير، مشدداً على أن "هذا التحالف يجب أن يشمل كافة الأطراف المعنية والتي تكافح الإرهاب، ومن بينها الأنظمة الشرعية، وبالدرجة الأولى النظام السوري، لكن حتى الآن لا نرى نية لدى الغرب، أو الولايات المتحدة بالتحديد، للتنسيق مع النظام السوري في الخطوات العملية ضد الارهاب".
وأكد زاسبكين "ضرورة احترام السيادة السورية، اذا كان مطروحاً مسألة توجيه ضربات أو أية ممارسات عملية، ولذلك هذا التحالف يجب أن يكون دون نواقص ليكون فعالاً"، لافتاً إلى أن هذا الأمر أيضاً يعود إلى العلاقات الأميركية الروسية، ما يعرقل أو يؤخر التعاون في مجال مكافحة الإرهاب أو في أي مجال آخر بسبب الأزمة الأوكرانية.
لتثبيت وقف إطلاق النار في أوكرانيا وتطويره
وفي ما يتعلق بالأزمة الأوكرانية، إستبعد زاسبكين حصول أي تدخل عسكري روسي هناك، مؤكداً أن كل المعلومات عن ذلك، في الماضي أو في المستقبل، من أدوات الحرب الإعلامية ضد بلاده، وهذا الهجوم المتنوع يشمل المجالات السياسية والاقتصادية والاعلامية، لافتاً إلى أنه موجه ضد روسيا استخداماً للأزمة الداخلية الأوكرانية، مؤكداً أن ما يحصل هناك يجب ايجاد حل له عن طريق وقف العمليات العسكرية واجراء الحوار بين الأوكرانيين، إلا أن الغرب والولايات المتحدة يريدون استغلال هذه الأزمة لأهداف معادية لروسية.
وأوضح السفير الروسي أن هؤلاء يفرضون العقوبات ضد موسكو لتعقيد الأوضاع الإقتصادية، معتبراً أن ذلك يندرج ضمن إستراتجية طويلة الأمد، مشدداً على وجوب تثبيت وقف إطلاق النار الذي تم الإعلان عنه وتطويره عبر الحوار بين الأوكرانيين.
أميركا ترفض التعددية في النظام العالمي
على صعيد مستقبل الأوضاع في المنطقة والعالم، قال زاسبكين: "أريد أن أكون متفائلاً لكن أميركا والغرب اجمالاً ردوا على النهج الروسي، الذي يدعو الى الشراكة والإستقلالية، حيث نسعى إلى التعددية في العالم، بعكس التوجهات الأميركية والغربية، فواشنطن تريد أن تكون القطب الوحيد، ومن أجل ذلك رفضوا التعددية والإستقلالية في النهج الروسي".
وأكد أن "هذا الموقف لا يتجاوب مع مصلحة المجتمع الدولي"، مشدداً على أن بلاده لم تبادر في أي نزاع، بما في ذلك النزاع في الشرق الأوسط أو النزاع الأوكراني، بل كانت تسعى الى الشراكة، متمنياً إدراك هذه المخاطر بأسرع وقت ممكن من قبل الدول الغربية لمصلحة الجميع.