أيضاً وأيضاً عن «داعش» و «النصرة» نكتب، فكل شيء في المنطقة يسير وفق المقياسين الجديدين.

أسئلة كثيرة طرحت منذ بروز «الدولة» و «الحركة». لكن هناك أسئلة ذات طبيعة محورية لم يتم التداول بها حتى الآن ومنها: كيف نما تنظيم «الدولة الإسلامية» في كل من سورية والعراق بعيداً من أجهزة الاستخبارات العربية منها والإقليمية والدولية؟ وما أكثر انتشار عملاء الاستخبارات في دول المنطقة بين استخبارات تحصي أنفاس المواطن العربي وتتبع خطواته، فيما كان تنظيم «داعش» ينظم صفوفة ويحصل على الأسلحة المتطورة.

مفارقات كثيرة برزت مع دخول «داعش» خريطة المنطقة. فهي المرة الأولى في التاريخ المعاصر على الأقل، تقوم «دولة» متنقلة وعابرة أكثر من دولة عربية في وقت واحد. ثم إن أسلوب الاجتياح الاقتحامي، إذا جاز التعبير الذي اعتمدته قوات التنظيمات المسلحة كان لافتاً في إحكام خطواته وبسرعة قياسية مذهلة.

وما لوحظ أيضاً: لدى اقتحام «داعش» منطقة الموصل في العراق لم تواجه هذه القوات بمعارضة، بل كانت المفاجأة إلقاء عدد كبير من القوات العراقية السلاح أمام «الداعشيين» وإعلان استسلامهم لـ «الدولة الإسلامية» بقيادة أبو بكر البغدادي. هل في الأمر من تواطؤ؟!

هكذا، تحاصر المنطقة من «دولة البغدادي» في العراق وسورية، ومن دولة «الحوثيين» في اليمن، حيث ينشأ الصراع الحاد بين «الشرعية الرسمية» و «الشرعية الثورية» وهذه بعض النماذج من هذا الصراع.

في صنعاء هناك رئيس للجمهورية هو عبد ربه منصور هادي، وهو الذي خلف الرئيس علي عبدالله صالح.

عقد رئيس الدولة اجتماعاً ضم أعضاء الحكومة والبرلمان ومجلس الشورى وكبار قادة الدولة والأحزاب وجرى التداول في إخراج اليمن من الأزمات الاقتصادية السياسية التي يعاني منها. وفي المقابل دعت جماعة «الحوثيين» إلى تظاهرات شعبية حاشدة ضاقت بها الساحات والطرقات المؤدية إلى العاصمة صنعاء.

وتوصلت الهيئات إلى تقديم اقتراح لإخراج اليمن من أزمته، وأرسلت «المبادرة» إلى عبدالملك الحوثي، لكن الجواب جاء بالرفض، وكان الإصرار على استقالة الحكومة والعودة عن الزيادة التي فرضت على أسعار المواد الاستهلاكية. ورضخت «شرعية الدولة» لـ «الشرعية الثورية» وكان لها ما أرادت.

ولا نزال في السياق نفسه للإشارة إلى ما تواجهه بعض السلطات في العالم العربي من تحديات تفسح في المجال للحركات الثورية المتطرفة بالبروز.

منذ أسبوعين كتبنا عبر هذا المنبر بالذات مقالاً تحدثنا فيه عن تحول «داعش» و «النصرة» وأخواتهما إلى «قنابل موقوته في الأوطان وفي المهاجر». وكان ذلك إشارة إلى أخطارها ليس فقط في بلاد المنشأ (العراق - سورية) بل في بلاد الغرب والاغتراب. إذ إن عدداً كبيراً من الذين شاركوا في القتال في سورية عاد بعضهم إلى الدول التي تؤويهم وتمنح بعضهم جنسية البلد وجواز السفر، ليتضح أن هؤلاء ليسوا إلا مقاتلين في جبهات البعض منها معلن والبعض ما زال يجري خلف ستار السرية.

لكن الغرب أدرك، هذه المرة، أن قنابل موقوتة مزروعة في هذا البلد أو ذاك عبر المقاتلين، ويلاحظ في بريطانيا إسراع رئيس وزرائها (الائتلافي) ديفيد كامرون إلى الإعلان عن خطوات صارمة بحق هؤلاء وتجريدهم من «جنسياتهم الجديدة». لكن بعض أنصار حقوق الإنسان احتجوا لأنه يخالف «حقوق الإنسان». ما أودع بعض دول الغرب عندما تتحدث عن حقوق الإنسان وهي لا تعلم أين يتوزع بعض رعاياها في صفوف المقاتلين الشرق أوسطيين. كذلك، تنبهت فرنسا للمشكلة، وأعلن رئيس الجمهورية فرنسوا هولاند عن تدابير جديدة بحق «المقاتلين» الآتين إلى فرنسا والعائدين إليها. وكذلك الأمر في الولايات المتحدة (بعض الولايات).

وإذا كان الغرب حريصاً على حقوق الإنسان إلى هذه الدرجة، فكيف يسمح بالممارسات التي تحدث على أراضيه نفسها، ما يعتبر إهانة للإنسان وليس انتصاراً لقيمه!

وفي هذا السياق نفسه استقبل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز سفراء قدموا أوراق اعتمادهم، فخاطبهم بصراحته المتناهية، قائلاً: «أطلب منكم نقل هذه الرسالة إلى زعمائكم... يجب محاربة الإرهاب، هذا الشرير بالقوة والعقل وبسرعة»، محذراً من أن الخطر الإرهابي الذي يمثله «داعش» لن يتوقف عند منطقة الشرق الأوسط، إنما سيتعداها إلى أوروبا (خلال شهر) وإلى الولايات المتحدة بعد شهر آخر، في حال لم يتحد العالم لمحاربة هذا الإرهاب. وخلال الأيام الأخيرة احتل لبنان نصيباً كبيراً من جور الإرهاب والإرهابيين، إذ بعدما عهد فريق من «داعش» وآخر من «جبهة النصرة» إلى اختطاف مجموعة من جنود الجيش اللبناني وقواته الأمنية المسلحين، بدأ الحديث عن المقايضات بين الإفراج عن بعض السجناء الإسلاميين من المقيمين في «سجن رومية» الشهير باكتظاظه، مقابل الإفراج عن بعض الأفراد المخطوفين. حتى في أعمال الخطف والتحرير يلعب الجانب الطائفي المقيت دوراً واضحاً، إذ أعلن عن الإفراج عن ستة من الجنود الذين «ينتمون إلى الطائفة السنّية».

وفيما تواجه حكومة الرئيس تمام سلام أزمة معقدة للتوفيق بين الإفراج عن المختطفين من جهة، والحفاظ على كرامة الدولة اللبنانية أو ما تبقى منها، يتم التداول بأفكار متعددة منها التصلب وعدم التفاوض. وهذا ما لقي معارضة شعبية عارمة، فيما يؤيد آخرون فعل أي شيء لإنقاذ الرهائن. لكن ما أقدم عليه الخاطفون من قطع رأس الرقيب علي السيد أثار موجة استنكار شملت المناطق كافة، فأي نضال هذا الذي يدعو إلى قطع أعناق بعض الجنود؟ وأي وقع لمثل هذه الجرائم على أهل الجنود، وعلى سائر المذاهب؟

ونبقى في لبنان لنشير إلى «المكرمة الأميركية» من السلاح المرسل إلى الجيش اللبناني لمواجهة موجات التطرف والإرهاب. فهل كان ضرورياً عرض نماذج من الأسلحة المرسلة من الولايات المتحدة إلى لبنان، على مدرجات القاعدة الجوية في مطار بيروت الدولي، ليتضح مدى هزال هذه الأسلحة كماً ونوعاً؟

هل تعتقد المصادر العسكرية الأميركية فعلاً أن الأسلحة المرسلة إلى لبنان تكفي لمواجهة أخطار رجال «داعش» و «النصرة»، وهم الذين يمتلكون أحدث أنواع الأسلحة؟

هذه إهانة للشعب اللبناني بكامله: «المكرمة الأميركية»!

هنا، تطرح بعض التساؤلات حول مصير المكرمة السعودية سواء الثلاثة مليارات (عبر فرنسا)، والمليار عبر الرئيس سعد الحريري، وكيف سيتم استخدامها لتعزيز قدرات الجيش اللبناني وسائر القوى الأمنية.

وبعد..

أولاً: حزام من النار والعار يلف المنطقة: من أبو بكر البغدادي في العراق وسورية إلى عبدالملك الحوثي في اليمن وسائر الجوار.

إن المدى الذي ستتخذه أخطار «داعش» و «النصرة» غير واضح المعالم بعد، ليبقى السؤال الأهم: مع هذه الأجواء القاتلة والمدمرة أين هو المسار؟ وما هو المصير؟!

ثانياً: الجمهورية اللبنانية لا تزال بلا رأس (اليوم الخامس بعد المئة) ألا يحرك هذا الفراغ والشغور ضمائر تدعي الوطنية والمسارعة إلى الاتفاق على «التسوية قبل فوات الأوان»؟

لقد جاء قطع رأس الجندي علي السيد ليطاول الغضب مختلف فئات اللبنانيين على اختلاف توجهاتهم. فهل جمهورية بلا رأس يجب أن تقطع فيها رؤوس المواطنين باسم النضال الجهادي والتكفيري؟...

ومع دفن الرقيب علي السيد في الثرى في مسقط رأسه فنيدق، بدأت بعض الظواهر المقلقة كرد فعل ومن ذلك مصادمات مع بعض النازحين السوريين المقيمين في المخيمات في طول الجمهورية وعرضها، إذ بعد حادث عرسال انطلقت شعارات البعض من الناس العاديين وهذا حقهم وهم يرددون: هل هذه هي نتيجة استضافتنا إياكم في بيوتنا وقلوبنا؟

وبمعزل عما جرى خلال الأيام القليلة الماضية، فإن الوجود المكثف للنازحين السوريين يمثل أخطاراً جساماً على مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية والصحية، بخاصة أنه ليس في الأفق ما يشير إلى قرب عودة النازحين إلى ديارهم في المدى المنظور، بل إن أعدادهم في تزايد مستمر، خصوصاً إذا ما علمنا بتقاعس «المجتمع الدولي» عن تحمل مسؤولياته في المساعدة وسط الانقسامات الواضحة في صفوف اللبنانيين.

ثالثاً: إن الأوضاع الخارجة عن كل استثناء التي تواجه لبنان والمنطقة، هي أخطر أنواع الأزمات وتبلغ حد المصير، وتقتضي معالجات استثنائية خارجة عن أي أزمة سابقة.

إن الإعصار المدمر الذي يعصف بلبنان والمنطقة له محاذيره والمخاوف منه ومواجهته بأساليب غير تقليدية، فهل يمتلك لبنان والمنطقة هذه الأسلحة للمواجهة؟

أما إذا كان الاعتماد على «المكرمة الأميركية» فلا خير يرتجى منها. ليعود السؤال المحوري والمصيري: تريدون لبنان حقاً؟ فليكن دفاعكم عنه على مستوى خطورة التحدى الوجودي المحدقة به.

وإلى المتسائلين عن الموقف الأميركي: هل من جديد؟

جواب: إن الموقف الأميركي لم يتحرك إلا بعد ذبح «داعش» صحافيين أميركيين (فولي وسوتلوف). فانتفض الرئيس باراك أوباما بعد خروجه من كبوته ومن سباته العميق في ما يتصل بتطورات المنطقة وقال: «إننا نعتزم قتال الدولة الإسلامية إلى أن تتلاشى قوتها في الشرق الأوسط». ولكن... يضيف: «الأمر يحتاج إلى وقت وذراعنا طويلة، لكن هذا الأمر لن يكون خلال أسبوع أو شهر أو سته أشهر».

إذاً، الأميركيون مقبلون مجدداً إلى المنطقة في يوم في شهر في سنة. والمطلوب من يصدق وعود الرئيس باراك أوباما الذي أغرقه الغوص في المستنقع الكبير في الشرق الأوسط. ومن يعشْ يرَ...