في حال لم تفرض التطوّرات السلبيّة المُنتظرة في لبنان كانعكاس طبيعي للخلافات في وجهات النظر بالنسبة إلى مسألة تأخير تسريح القادة الأمنيّين، وفي حال لم تفرض الصراعات داخل "أجنحة" "التيّار الوطني الحُرّ" بقاء العماد ميشال عون رئيساً لمزيد من الوقت، تجنّباً لإضعاف "التيّار" في هذه المرحلة الدقيقة، فإنّ الإنتخابات التي تهدف إلى تحويل "التيّار الشعبي العوني" إلى "حزب سياسي ديمقراطي" ستحصل في 20 أيلول المُقبل، بعد طول إنتظار وبعد سلسلة من المواعيد المُؤجّلة والتي بلغت خمس مرّات حتى اليوم. فمن سيكون الرئيس المقبل؟
لو كان لجمهور "التيار الوطني الحُرّ" الواسع حق الخيار، لكان الجواب ومن دون أيّ تردّد العميد ​شامل روكز​، لكنّ قائد فوج المغاوير هو في الخدمة العسكريّة حتى 15 تشرين الأوّل المقبل ولا يحقّ له بالتالي المُشاركة بأيّ عمل أو نشاط حزبي. وحتى في حال قدّم إستقالته من الجيش قبل الإنتخابات، إنّ اللجنة التي أعدّت القانون الداخلي للتيّار قطعت الطريق عليه عبر إشتراط أن يكون أي مُرشّح لمنصب رئاسة "التيّار الوطني الحُرّ" عُضواً مُنتسباً ويحمل بطاقة حزبيّة منذ خمس سنوات على الأقلّ. ولمن يرغب بأن يصل أحد أبرز المُعارضين الداخليّين لنهج القيادة الحالية للتيار، أيّ القيادي ​نعيم عون​ الذي لم يمنعه نسبه المُباشر بالعماد عون، من أن يكون من أشدّ الداعين إلى إدخال إصلاحات على "التيّار"، فإنّ الطريق أمامه مقطوع حسب النظام الداخلي الذي إشترط أيضاً أن يحمل المُرشّح إلى منصب الرئاسة شهادة جامعيّة. وبالنسبة إلى بعض الأسماء المُتداولة الأخرى، ومنها مجموعة من الشخصيّات الفاعلة والنشيطة في "التيّار"، مثل النوّاب إبراهيم كنعان و​سيمون أبي رميا​ و​زياد أسود​ على سبيل المثال لا الحصر، فإنّ أحداً منها لا يرغب بالمنافسة على منصب الرئاسة، بل تُوجد طموحات لديها بأن تصل إلى أحد منصبيّ نيابة رئاسة الحزب، كونها تعرف أنّ حظوظها في المرحلة الحالية لا تُخوّلها الإطاحة بشخصيّات أكثر قرباً من "الجنرال".

وفي الوقت الذي يقترب فيه تاريخ فتح باب الترشيحات أمام الطامحين لتبوّؤ أعلى المناصب في "التيّار الوطني الحُرّ" في 20 آب المقبل، فإنّ كل المعلومات المُتوفّرة حتى تاريخه تؤكّد أنّ المعركة على منصب رئاسة "التيّار"، ستنحصر، في حال حصولها، بين إسمين فقط هما الوزير ​جبران باسيل​ والنائب آلان عون. ولأنّ الأوّل هو صهر العماد عون والثاني هو إبن شقيقته، يُقال إن "الجنرال" لن يتدخّل لصالح أيّ شخصيّة منهما بحكم واقع النَسب أوّلاً وبحكم الحرص على ترك اللعبة الديمقراطيّة تأخذ مجراها ثانياً، علماً أنّ الكثير من التسريبات الإعلاميّة المُرتبطة بالإنتخابات الداخلية في "التيّار" أكّدت تفضيل "الجنرال" للوزير باسيل، لكن من دون المُجاهرة بذلك في العلن منعاً للإحراج. وقد إستندت هذه الإشاعات التي وصفها "الجنرال" في مقابلته التلفزيونيّة الأخيرة بالكاذبة، إلى جملة من الخطوات والإعتبارات الملموسة التي تُظهر دعماً مميّزا للوزير باسيل، أبرزها مسألة تعيين مدير "الماكينة الإنتخابيّة" في "التيّار" منصور فاضل، والذي يتمتّع بخبرة كبيرة في كسب الأصوات "العَونيّة"، مديراً لمعركة باسيل الإنتخابية الحزبيّة الداخليّة!
وفي كل الأحوال، إنّ التباين بين أسلوب عمل كل من الوزير باسيل والنائب عون في حال إنحصر التنافس الديمقراطي بينهما، كما تدلّ التوقّعات، كبير ومُختلف بشكل جذري. فالوزير باسيل من مؤيّدي القيادة الرئاسية المُطلقة، بمعنى أن يكون رئيس "التيار" هو الآمر والناهي. وطلب تعديل النظام الداخلي الذي أرسل إلى وزارة الداخليّة اللبنانيّة كان يتضمّن مجموعة من التعديلات من تحضير فريق عمل باسيل، وهي تصبّ كلّها في خانة مركزيّة القرار بيد رئيس الحزب. في المقابل، إنّ النائب عون يؤمن بمنطق القيادة الجَماعيّة وبالمشاركة في إتخاذ القرارات. كما أنّه أكثر إنفتاحاً من الوزير باسيل على مُختلف الأفرقاء السياسيّين، ليس داخل "التيّار" فحسب بل على المستوى اللبناني ككل. وهو أيضاً من المُؤمنين بأنّه يُمكن إيصال وتعميم مبادئ "التيّار الوطني الحُرّ" بأسلوب الحوار، وليس بالضرورة بالمواجهة والقوّة.
في الختام، أسابيع قليلة ويحلّ موعد الترشيحات ثم الإنتخابات المُفترضة، ومعركة رئاسة "التيّار" ستنحصر بين الوزير باسيل والنائب عون، والأفضليّة الواضحة هي لصالح الأوّل كما يُشاع داخل أروقة "التيّار"، وكما يتمنّى خصوم "التيّار" أيضاً، علماً أنّ الكلمة الفصل تبقى للناخبين المُنتسبين إلى "التيّار الوطني الحُرّ" الذين قد يُحدثون المفاجأة، لكل من قيادة "التيّار"، وفريق عمل الوزير باسيل، وخصوم "التيّار"، والأغلبيّة الساحقة من الإعلاميّين والصحافيّين. لكن هذا الأمر جدّ مُستبعد...