تمرّ في هذه الأيام الذكرى الحادية عشرة لرحيل سماحة الشيخ المجدّد أحمد كفتارو، الذي كرّس حياته لخدمة الإخاء الإنساني والدعوة إلى الله عز وجل.
قد يكون الحدث عادياً، فالعلماء والفقهاء كسائر الناس؛ يعيشون ويموتون ولهم أقدارهم وآجالهم، لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، لكن الذي دفعني إلى الكتابة اليوم، هو حاجة سورية لهذا الرجل في هذه الأيام العصيبة.
ربما كان الشيخ أحمد كفتارو من القلائل الذين يمكنهم أن يُحدثوا فرقاً لو أدركوا هذه الأيام العصيبة. فقد أعلن الرجل منذ بداية دعوته أن الإنسان أخو الإنسان؛ أحب أم كره، وعمل حياته ليكرّس عقيدة أن "الخلق كلهم عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله"، وأن "الأديان كلها من الله"، وأن "الأديان واحدة في مقاصدها ومبادئها ومبانيها"، وأن "على الإنسان أن يكتشف أخاه الإنسان في سعيه إلى الله، وأن يبحث في كل إنسان عن مكان الفطرة التي أودعها الله فيه قبل أن ينتظم في أي دين من الأديان".
كأنما كان الشيخ يشاهد أيامنا الكئيبة هذه، فكان يرفض أي شقاق بين المسلمين، مهما كانت مذاهبهم، ولأجل ذلك فقد كان دوماً على رأس نشاطات الإخاء بين السُّنة والشيعة، وكان رأساً في كل المبادرات التي دعت للإخاء الإسلامي - المسيحي، بل إنه انطلق إلى ما هو أبعد من الأديان السماوية، وحقق صلات هامة مع البوذيين والسيخ وديانات الشنتو والأموتو في اليابان، وكان في سعيه كله يحدّثهم عن الله الخالق رب محمد وموسى وعيسى وإبراهيم (عليهم الصلاة والسلام)، {ورسلاً قد قصصناهم عليك ورسلاً لم نقصصهم عليك}.
لقد كانت أفكاره دوماً تجابَه بالصد من قبَل المتعصّبين الذين أظهروا اليوم حقيقة ما يعتقدونه تجاه الإنسانية، لكن على الرغم مما كانوا يتهمونه به من افتراءات، ظلّ الشيخ شامخاً يؤدي رسالته ولا يتزحزح عن رسالة الإخاء الإنساني.
وعلى مستوى الطوائف الإسلامية، فقد تحرّك الشيخ (رحمه الله) صوب كل المذاهب والطوائف، وفي جبل العرب كان يعزز في بني معروف روابط الإسلام التي جمعت بين أهل التوحيد على اختلاف مذاهبهم.
حين رحل كان في عزائه مسلمون ومسيحيون، وأصوليون وعلمانيون، واشتراكيون وليبراليون، وكانت كلماته تسع الجميع بلحن الإخاء، وأقيمت له صلاة الغائب في مئات المساجد وعشرات الكنائس، وأقيمت حفلات التأبين والقداسات في صوامع وبيَع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، وكانت أياماً فريدة للإخاء والمحبة بين أبناء البلد الواحد..
لقد رحل الرجل وبقيت ذكراه وأيامه الطيبة..
وما من كاتب إلا سيفنى.. ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بخطك غير شيء... يسرك في القيامة أن تراه





















































