منذ إصداره، شكّل قانون الايجارات مادّة جاذبة للخلافات، فرأى فيه المالك فرصة ذهبية للثراء، ووجده المستأجر القديم "خطة" مبرمجة لتهجيره من بيته. ولكن ليس المهمّ ما يراه اطراف العلاقة هنا، لأنّ الأساس هو كيف ينظر المُشرّع الى هذا القانون، خصوصا بعد أن عاد الى مجلس النواب لتعديل بعض المواد فيه، وهذا ما يجعله غير قابل للتطبيق. فلماذا يقول بعض المالكين غير ذلك؟

رغم مرض زوجها المزمن وعدم أهليته للتوقيع على العقود، استغّل أحد المالكين القدامى في منطقة الجمّيزة وجود المستأجر في المستشفى ليأخذ توقيعه على عقد إيجار جديد ينص على حصوله على مبلغ يقارب ألف دولار سنوي كبدل إيجار لغرفة ونصف الغرفة، تقول زوجة الرجل التي تتولّى تسيير شؤون المنزل بنفسها بعد مرض زوجها قبل سنوات. وتضيف في حديث لـ"النشرة": "بعد فترة فوجئنا بعقد جديد ينص على ارتفاع البدل 10 مرات فأصبح 14 مليونا ونصف المليون، مُدعيا المالك أننا قد وقعنا على العقد حسب ما ينص القانون الجديد للإيجارات". وفي هذا السياق تؤكد المحامية ​مايا جعارة بردويل​ إنّ مراجعة المستأجرة أدّت لعودة الرجل عن قراره خصوصا بعد ان تمّ تهديده باللجوء الى القضاء واتهامِه بالغشّ والتزوير.

ليست هذه الحالة هي الوحيدة في منطقة الأشرفية مار مخايل والجمّيزة، فمحاولات المالكين القدامى تتوالى لنيل توقيع المستأجرين القدامى على عقود يقولون أنّها خاضعة لقانون الإيجارات الجديد، ويعملون على رسم الوهم في نفوس المستأجرين بأن القانون ساري المفعول.

ترى جعارة اننا "أمام فوضى على أرض الواقع، إعلاميّة، قانونيّة وقضائيّة. فبالرغم من أنه اضحى ثابتاً أن قانون الايجارات الجديد المطعون فيه غير قابل للتطبيق، إلا انه للأسف هناك محاولات خبيثة لجعله أمراً واقعاً بالرغم من أن المرجعيّات الدستورية والقانونيّة قد أعلمت المواطنين بعدم قابلية القانون للتطبيق(1)"، مشيرة الى أنه "بالرغم من كل ذلك هناك من يعمل على محاولة تطبيقه عُنوة، تارةً بالترغيب وطوراً بالترهيب علّ هذا الأسلوب الذي يتبعونه يوصلهم إلى هدفهم المنشود بجعله أمراً واقعاً".

وتشدّد جعارة على عدم وضوح القانون، فهو غير مفهوم من قبل الأغلبية الساحقة ليس فقط من المواطنين بل أيضا من القانونيين (علماً أن قانون الايجارات الذي يتعلق بشريحة واسعة من المواطنين ينبغي أن يكون واضحاً وسهلاً ومفهوماً لأيٍّ كان)، وهو ضرب بعرض الحائط الحقوق المكتسبة وجعل المستأجر يتحمل تبعات الارتفاع الكبير بأسعار العقارات الذي تسببت به المضاربات العقارية".

يسكن الرجل السبعيني في منطقة الجمّيزة منذ أكثر من 46 عاما، ولكن صاحب الملك يأبى ان يعيش العجوز سعيدا في أيّام عمره المتبقيّة، فمع العلم واليقين بأن القانون الجديد غير قابل للتطبيق، قام المالك بإرسال لائحة تحدّد بدلات الإيجار الجديدة وكيفية ارتفاعها، وكانت النتيجة أنّ بدل الايجار السنوي سيكون 30 مليون ليرة لبنانية. هذه الحالة لم ترض السكوت واستطاعت وقف "المهزلة" ولكن غيرها الكثير سكت وترك سكنه. وهنا تشير مصادر خاصة لـ"النشرة" الى أن منطقة مار مخايل و​الجميزة​ قد امتلأت بعائلات سوريّة نازحة، فبعض المالكين القدامى يضغطون لإخراج المستأجر اللبناني القديم ويضعون مكانه 4 أو 5 عائلات سورية.

ان هذا الوضع المأساوي لكبار السنّ الّذين يشكلون النسبة الكبيرة من المستأجرين القدامى، يدفع بجعارة للتحذير ودقّ ناقوس الخطر، وكأن ما يحصل لا يعني الدولة علماً أن حق السكن هو حق ذو قيمة دستورية، والمجلس الدستوري في قراره أصدر توصيات توازي بأهميتها ابطال المواد، ووضع المسؤولية على المجلس النيابي والحكومة بإيجاد خطّة سكنية والحفاظ على حق السكن. وتقول جعارة: "لعلّ الرائحة النتنة التي تفوح من المؤامرة التهجيرية هذه تفوق نتانة روائح نفاياتهم"، لافتة النظر الى أن هناك من يستفيد من محاولة تطبيق القانون غير القابل للتطبيق، والفوضى القائمة لشراء العقارات بطريقة منهجيّة في كافة المناطق، ولا سيما بعض مناطق بيروت، وهذا ما سيؤدي إلى تهجير ابناء المنطقة، مما يؤدي إلى تغيير ديمغرافي خطير دون حسيب أو رقيب وهو يشكّل نحراً لهوية بيروت وطابعها.

لا يُعقل أنْ تسمع مريضًا يقول "الحمد لله اني مرضت ولن اعيش لأرى اليوم الذي يخرجوني فيه من منزلي"، ومن غير المسموح أن تتمنى عجوزا الموت على ان يصبح إيجار منزلها المتواضع أعلى من راتب ابنها الساعي لبناء عائلة. هذا قليل من كثير يعاني منه ​المستأجرون القدامى​ بعد أن وضعتهم الدولة في وجه المالكين وعلى أساس قانون غير قابل للتطبيق.

(1)رئيس المجلس الدستوري بـ7 آب 2014 ورئيس مجلس النواب بـ31/12/2015 ووزير العدل الذي أعلن رأي هيئة التشريع والاستشارات الذي قضى بعدم قابليّة القانون للتطبيق، كما مجلس شورى الدولة، وأخيراً الهيئة العامة لمحكمة التمييز باتخاذها القرار بوقف تنفيذ الأحكام الثلاث التي جرى الطعن بها امامها للخطأ الجسيم، ونذكر أن أحد هذه الأحكام كان الركيزة التي استند اليها المالكون طيلة الفترة السابقة وبنوا عليها قصور الرمل للايحاء بأن القانون يُطبق.

* عطفاً على هذا المقال، رفضت نقابة المالكين مقاربة ملف الإيجارات من زاوية اللاجئين السوريين، واعتبرت أنّ محاولة الربط بين الملفين هي الاحتيال بعينه.

للاطلاع على توضيح النقابة، اضغط هنا.