بدت صورة "سلفي" نشرها رئيس الحكومة سعد الحريري على مواقع التواصل الاجتماعي، وجمعته مع وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان، أكثر من كافية لـ"توتير" الساحة اللبنانية من جديد، بل إنّ هناك من ذهب لاعتبارها "إعلان حرب"، خصوصًا أنّ السبهان، الذي يقود حملةً لا تبدو بريئة على "حزب الله" منذ فترة، كان قد استبق اجتماعه بالحريري بـ"وعيدٍ" بالتصعيد الآتي.
وبمُعزَلٍ عمّا دار في اجتماع العمل "الطويل" بين السبهان و"أخيه" الحريري، كما وصفه الوزير السعوديّ، فإنّ تحليلاتٍ وتكهّناتٍ كثيرة حفلت بها الأوساط السياسيّة خلال الساعات الماضية عن "أيامٍ صعبة" مقبلة على لبنان خلال المرحلة المقبلة، انطلاقاً من أنّ ما بعد ما سُمّيت بـ"زيارة العمل" التي قام بها الحريري إلى السعودية لن يكون أبدًا كما قبلها...
ما هي خيارات الحريري؟
بدايةً، لا مجال للشكّ بأنّ النية بالتصعيد على الساحة اللبنانية في هذه الفترة موجودة بالفعل، خصوصًا أنّ القرار السعودي بالمواجهة مع "حزب الله" لم يعد مجرّد حبر على ورق، وهو يتمظهر بشكلٍ تدريجيّ أكثر وأكثر على أرض الواقع يومًا تلو آخر، وهو يأتي في التوقيت ليتكامل مع المنحى الاقليمي والدوليّ لما يسمّى بـ"تقليم أظافر" الحزب، الذي كان قد بدأ مع العقوبات الأميركية عليه، واستُكمِل من خلال تغذية الصراع الخليجي عمومًا، والسعودي خصوصًا مع إيران.
وإذا كان كثيرون حاولوا في بادئ الأمر "عزل" كلام الوزير السبهان عن الموقف السعوديّ الرسميّ، باعتبار أنّ الرجل كان يغرّد وحيدًا في سرب التصعيد، فإنّ المعطيات لا شكّ تغيّرت في الأيام القليلة الماضية، لتدحض مثل هذه السيناريوهات، وتؤكد بما لا يقبل الشكّ أنّ السبهان، سواء كان يجسّ النبض من خلال تغريداته "المستفزّة"، أو كان ينفّذ خطّة عمل واضحة المعالم، فإنّه كان يفعل ذلك بالتنسيق مع القيادة السعودية. وكان لافتاً في هذا السياق ما قاله السبهان نفسه عشيّة زيارة الحريري للسعودية، وللتوقيت دلالته هنا أيضًا، أنّ الموقف الذي يعبّر عنه ليس شخصيًا، وأنّ من يعتقد ذلك يعيش في الوهم، مضيفاً: "سترون ما سيحصل في الأيام المقبلة".

لكن، وعلى الرغم من أنّ هناك من يقول أنّ السعودية منحت الحريري فترة زمنية قصيرة قبل ترجمة السياسة الجديدة بخطوات تصعيدية واضحة، قد تشمل عقوبات اقتصادية شبيهة بتلك الأميركية، أو حتى دبلوماسية تشبه تلك التي اتخذتها في مرحلة ما قبل انطلاقة "العهد"، إلا أنّ الأكيد أنّ لا خيارات واسعة متاحة أمام الحريري الآن، عمليًا، على الأقل بانتظار بدء الحملات الانتخابيّة، التي لا يُتوقّع المباشرة بها قبل مطلع العام المقبل. ولعلّ الفكرة الأهمّ على هذا الصعيد تكمن في أنّ "تطيير" حزب الله من الحكومة، كما ألمح السبهان، غير ممكن، بل إنّ كلّ ما باستطاعة الحريري أن يفعله هو "تطيير" الحكومة برمّتها من خلال تقديم استقالته، إلا أنّ هذه الخطوة دونها عقبات، لأنّ لا مصلحة للرجل في ذلك الآن، حتى لو اخلتفت المعادلات في المنطقة.
ولأنّ لدى الحريري هواجس جدية وحقيقية من اللجوء إلى مثل هذا السيناريو، الذي عانى ما عاناه من ويلاته سابقًا بعد إسقاط حكومته، فإنّ "السلاح" الذي يتمسّك به في المرحلة الراهنة يبقى المواجهة من الداخل وعدم المهادنة والمسايرة، وبالتالي عرقلة خطط "حزب الله" وحلفائه بالتطبيع مع النظام السوري، بدل ترك الساحة مفتوحة وفالتة. وهناك من يقول أنّ القيادة السعودية تفهّمت هواجس الحريري على هذا الصعيد، وهو ما يفسّره كلام رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي أكد أنّ أجواء السعودية ليست كما أشيع، كاشفاً أنّه تلقى اتصالاً من الحريري أكّد له أولوية الاستقرار، علمًا أن الحريري نفسه أوحى بهذه الأجواء بعد لقائه وليّ العهد السعوديّ.
العين على الانتخابات
في ضوء هذا الواقع، يقول كثيرون أنّ التصعيد المرتقب لن يكون فوريًا، بل سيجد الصدى والترجمة في الانتخابات النيابية المقبلة، وبالتالي فإنّ ما سنشهده في هذه المرحلة سيكون بمثابة "المقبّلات" التي يتطلبها الاعداد للاستحقاق الانتخابيّ، الذي تعتبره السعودية مفصلياً ومصيرياً لاعادة بسط نفوذها وهيمنتها على الساحة الداخلية، والأهمّ من ذلك، لقلب الطاولة على التسوية التي لا يخفى على أحد أنّها لم تعد راضية عليها كونها جاءت بالكامل لمصلحة "حزب الله".
ولعلّ ما يعزّز ذلك أنّ الرهانات، التي عوّل عليها الحريري وأقنع السعودية بالسير بالتسوية بناءً عليها، بإبعاد "التيار الوطني الحر" عن "حزب الله"، باءت بالفشل، بل، على العكس من ذلك، بدا أنّ الأخير وفّر للحزب الغطاء لعمليّاته وتحرّكاته، ويتعامل معه وكأنّه "الحليف الأول" له من دون منازع، في حين أنّ كلّ الأفرقاء الآخرين يأتون في مراتب ثانويّة بالنسبة إليه. وما حديث رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في الذكرى السنوية لانطلاقة "العهد" سوى الدليل الساطع على ذلك، حيث، وعلى الرغم من وقوفه على مسافة من الجميع، كان واضحًا تبنّيه لخطاب المقاومة ضدّ إسرائيل.
من هنا، يقول العارفون أنّ خطة العمل السعودية ستقوم على إعادة إحياء استقطاب "14 آذار" في مواجهة "حزب الله" قبل الانتخابات، وهو ما سُرّب مراراً وتكراراً، إلا أنّها ستعمل في الوقت نفسه على توسيع دائرة هذا التحالف، خصوصاً بعدما باتت تستقطب أطرافاً سنية كانت أقرب إلى "حزب الله"، لأنّ الهدف الأساسيّ بالنسبة إليها سيكون إلحاق الهزيمة بالحزب بشتّى الوسائل الممكنة، خصوصًا بعدما أدّى تراجعها في السنوات القليلة الماضية، فضلاً عن السياسة الخارجية الدبلوماسية التي اعتمدتها، إلى ارتفاع أسهم إيران وأدواتها على حساب حلفائها، الذين قدّموا من التنازلات ما يكفي لجعهم يظهرون بمظهر التابع.
وإذا كانت السعودية تضع نصب عينيها جمع أطراف "14 آذار" السابقة كالنائب وليد جنبلاط والقوات اللبنانية والكتائب والمستقبل والمستقلين، إضافة إلى شبك علاقاتٍ واسعةٍ مع كلّ القوى المناهضة للسياسة الإيرانية في المنطقة، وحتى مع قوى المجتمع المدني إن أمكن ذلك، فإنّ الأكيد أنّ الإعداد لذلك يجب أن يبدأ من الآن، خصوصًا في ظلّ ما يُحكى عن أنّ قانون الانتخاب الجديد، سيسمح لـ"حزب الله" وحلفائه بتحقيق انتصارٍ فعليّ، حتى لو خسر على الصعيد الشخصيّ، إذ إنّه سيعطي الكثير من حلفائه تمثيلاً لم يكونوا يحظون به في السابق.
هل يخاطر الحريري؟!
توحي كلّ المؤشّرات بأنّ السعودية تريد اليوم قلب الطاولة على "حزب الله"، وأنّ "زيارة العمل"، التي قام بها الحريري، وغير المبرمجة مسبقاً، بدليل اضطرار الرجل لإلغاء مواعيده، ومن بينها اجتماع لجنة قانون الانتخاب، سوى نقطة البداية في هذا المسار.
ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه، أيّ مصلحةٍ للحريري بالذهاب نحو التصعيد؟ هل يغامر بما حقّقه حتى الآن من الشراكة مع "التيار الوطني الحر"، ولو كانت ثانوية؟ هل يخاطر بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء؟ وأبعد من ذلك، هل بالفعل ستغيّر الانتخابات المقبلة المعادلة كما يصبو هذا وذاك؟ ألن يعود الجميع في النهاية إلى مقولة "الديمقراطية التوافقية" الشهيرة؟






















































