يؤسس انتصار الجيش السوري في جنوب سوريا لمرحلة جديدة من الحرب، اذ لم يعد هناك من شكوك حول حسم القيادة السوريّة قرارها باستعادة السيطرة على كامل أراضيها وقدرة القوات المسلحة على تنفيذ القرار، دون الأخذ بعين الاعتبار اتفاق خفض التوتر في ادلب، فالمعارك من الغوطة إلى درعا والقنيطرة أثبتت أن هذا الإتفاق محدود بمدة زمنية ومرهون بالمعادلات الجديدة وبمرونة تتحكم بها مصلحة دمشق مع حلفائها.

ما بعد المعركة في الجنوب، لم يعد هناك من شك أن اتفاق خفض التوتر في ادلب لن يكون إلى ما لا نهاية، وهذا يسري على الشمال السوري بأكمله، فاتفاق آستانة 6 أقر، في منتصف شهر أيلول العام الماضي، أن مناطق خفض التصعيد هي تدبير موقت مدته ستة أشهر مبدئياً، تمدد تلقائياً على أساس توافق الضامنين، وبالتالي فإن محاولات المسلحين فرض أمر واقع، من خلال سيطرتهم الطويلة الامد على ادلب وشمال حلب، والعمل على فصل هذه المنطقة عن سوريا أو "فَدْرَلَتِها"، لن تمر بأي شكل من الأشكال وستواجه سياسياً وعسكرياً.

الموقف التركي

المعضلة الآن عند أنقرة، بحيث وصل الأمر إلى مرحلة الحسم، ما بين الاتفاق السياسي ورفع الغطاء عن المسلحين أو بين استكمال الجيش عملياته العسكرية في الشمال وطرد المسلحين من سوريا. حتى الآن تحاول تركيا انتزاع مكاسب سياسية عبر المشاركة بالقرار السياسي السوري، أو بحد أدنى دفع دمشق للاعتراف بالنفوذ التركي على الشمال، لكن الأمر يواجه بموقف حازم من جانب القيادة السورية الرافض لأيّ مسّ بالسيادة مع تلويح بالخيار العسكري.

من المؤكد أنّ الحلّ السياسيّ بعيد وصعب التحقيق، في وقت ترفض المجموعات المسلّحة المتواجدة في ادلب أيّ حوار مع السلطات السورية، وهي تفضل القتال على المصالحة والتسوية وقامت بتوحيد صفوفها وجهّزت نفسها للقتال، ويبدو وجود استحالة في تليين موقفها أو اجبارها على الدخول في العمليّة السياسيّة لأسباب عقائديّة، وهم بأغلبهم من الذين رفضوا التسويات السابقة التي جرت في المناطق السوريّة، وبالتالي فانّ الوضع يتّجه الى مواجهة عسكرية جديدة لن تشبه سابقاتها.

القرار الدمشقي محسوم

في دمشق، يبدو انتظار الحل السياسي سيّد الموقف حالياً، عبر منح الدول الحليفة الوقت للتوصل إلى توافق على حلّ مع تركيا يجنّب المنطقة معركة جديدة، إلا أنّ الخيار العسكري لا يزال حاضرا، فالقرار حاسم في حال فشل المفاوضات.

ووفقاً لمصادر عسكرية سوريّة، فإنّ الأولويّة الآن هي لإنهاء جيوب تنظيم "داعش" الإرهابي، سواء في ريف السويداء أو في بادية حمص ودير الزور، ومن بعدها يحين وقت ملفي ادلب والحسكة، ولكل ملف حيثياته وتفاصيله التي لا بدّ أن تختمر وتنضج سياسياً وعسكرياً، لكن الوقت ليس طويلاً إذ أن الخطط وضعت والقرار اتخذ بانهاء وجود المسلّحين مع نهاية العام المقبل.

عسكرياً، دمشق تتحضر لمعركة ادلب، وإن لم يحن أوانها بعد، وهي ترى أن أيّ مجموعات، موحّدة كانت أم متفرقة، لن تنجح في مواجهة الجيش السوري، فالقيادة العسكرية تؤكّد أنه لن يقف بوجه القوات المسلحة مجموعات كانت بمعظمها تقاتل في مناطقها وخسرت معاركها، واضطرت، تحت وطأة الهزيمة، الى المغادرة باتّجاه ادلب.